سياسة و تاريخ

العنف: هل هو في ازدياد أم في تراجع مستمر؟

الصراعات المسلحة والجريمة والعنف الأسري.. جميع المؤشرات تؤكد ذلك : عقدا بعد عقد، يتراجع العنف حول العالم.

لم يكن العالم أبدًا هادئًا وغير عنيف وغير مسلح. هذه هي النظرية المثيرة التي يدافع عنها ستيفن بينكر، في كتابه الملائكة الأفضل لطبيعتنا، والذي يقدّم نفسه على أنه “تاريخ العنف وتراجعه”.
لأن تراجع العنف أمر غير متوقع بقدر ما هو غير قابل للجدل.

عالم أكثر سلمًا؟

كيف يمكن لأحد أن يزعم ذلك في الوقت الذي دمرت فيه مدينتا الموصل والرقة في سوريا والعراق في السنوات الأخيرة؟ في الوقت الذي ينتشر فيه القتال في اليمن؟

و في الوقت الذي تعيش فيه أوروبا الخوف الذي يؤرقها من وقوع هجمات؟ بل وفي الولايات المتحدة، لا يمر أسبوع دون أن يعلن أحدهم عن وقوع مذبحة بنيران الأسلحة الآلية؟

وبينما لا يزال العنف المسلح موجوداً، إلا أنه لا يزال محصوراً في مناطق معينة من الكوكب. عمومًا، فإن الاتجاهات العامة متقاربة. وسواء تم قياسها بالعقود أو القرون أو آلاف السنين، فإن الأدلة لا تدع مجال للشك: إننا نعيش في زمن سلام لم يسبق له مثيل.

ولاستجلاء جوهر العنف في التاريخ، لابد أولًا تحديد عن ما نتحدث عنه، إذ أن هذه الكلمة يمكن أن تشمل ظواهر متنوعة للغاية – ابتداءً من الاعتداء الجنسي إلى الحرب العالمية ومن الشتائم إلى عمليات التفجير.

ثمة ثلاثة فئات رئيسية من العنف تستحق التمييز، وهي الحروب والعنف الاجتماعي (الجريمة) والعنف الخاص.

  • الحروب

منذ قرن من الزمن، اختفت الحروب بين الدول تقريبًا، وبقيت فقط ما يسمى بالصراعات “غير المتكافئة” بين دولة وجماعة مسلحة (جماعة إرهابية أو حرب عصابات أو حروب أهلية)، حيث أن أكثرها دموية في السنوات الأخيرة هي بالطبع الحرب الدائرة بين تنظيم داعش وأعدائه بين سوريا والعراق: ففي غضون أربع سنوات، أدت الحرب في سوريا وحدها إلى مقتل 250000 شخص. هذا الرقم، بالرغم من كونه هائلًا، إلا أنه أقل بكثير مما كانت عليه الإبادة الجماعية في رواندا، التي وقعت عام 1994 وأودت بحياة 800000 شخص في غضون بضعة أسابيع، أو الحرب في يوغوسلافيا السابقة، التي راح ضحيتها أكثر من 300.000 شخص.

ولم ننسى -قبل خمسين سنة- كيف وصل عدد ضحايا حرب فيتنام (1955-1975) بين مليون ومليوني شخص، وقبل مائة عام، قتلت الحرب العالمية الأولى أكثر من 9 ملايين شخص، بما في ذلك 700000 في ساحة (معركة فردان وحدها).

تتيح لنا هذه المحاسبة القاتمة التذكير بأن عدد ضحايا الصراعات المسلحة، انخفض انخفاضًا مطردًا منذ قرن من الزمن. في ضوء القرون الماضية، تعتبر بداية القرن الواحد والعشرين الأكثر سلمية.

  • العنف الاجتماعي

يتمثل الوجه الآخر للعنف في الجنوح والجريمة العنيفة – في جرائم القتل والسطو والاعتداء والضرب والجرح. وهنا أيضًا، فإن الاتجاهات طويلة الأجل لا لبس فيها؛ إذ في غضون عشرين عامًا، انخفضت الجرائم في المدن الكبرى في الدول المتقدمة بشكل حاد، حتى ولو ارتفعت قليلاً في المدن الأمريكية منذ بضع سنوات.

عندما نتحدث عن العنف الاجتماعي، يجب ألا ننسى أيضاً القمع الذي تمارسه الدول (الذي لا يوقع أي ضحايا في الدول المتقدمة تقريبًا): من السهل على المرء نسيان أنه مرّ علينا وقت كان فيه الجيش والشرطة يطلقان النار على الحشود، ناهيك عن القمع الجماعي (الغولاغ، التطهير) الذي حصد ملايين القتلى في القرن العشرين في الدول الاستبدادية (ألمانيا النازية وروسيا والصين وكمبوديا).

  • العنف بين الأشخاص

إن العنف الأسري – ضد النساء والأطفال – يتناقص أيضاً في جميع أنحاء العالم. وبالتأكيد فإن قياس أعمال التعنيف هذه لا يزال صعبًا للغاية من الناحية الكمية نظرًا لشح البيانات الموثوقة على المدى الطويل، غير أن التقدم المحرز في مجال التشريعات يعد مؤشرًا غير مباشرٍ لما يسميه عالم الاجتماع لوران موكشيلي “نزع الشرعية” عن العنف المنزلي وتجريم بعض السلوكيات (الاعتداء الجسدي والاعتداء الجنسي)، كما أن حقيقة إصدار 44 دولة في جميع أنحاء العالم تشريعات بشأن حظر ضرب الأطفال يقول الشيء الكثير عن تطور الأخلاق، والشيء نفسه ينطبق على العنف ضد المرأة.

وعلى المدى الطويل، فإن الاتجاه نحو الحد من العنف بجميع أشكاله – الحروب والعنف الذي تمارسه الدولة أو الجريمة أو العنف الخاص – يعد حقيقة واضحة. لكن هذا الاتجاه العلماني لا يمنع وجود جيوب العنف المتطرف الذي تظهر بين الفينة والأخرى وتوقعنا في حالة من الرعب. هنا تكمن مفارقة عصرنا: في عالم يسوده السلام عمومًا، تندلع أحداث عنف متطرف (هجمات وقتل جماعي وحروب أهلية إقليمية) لتتصدر فجأة عناوين الصحف، وتعطينا الانطباع بأن العالم مشتعل ودموي وتشوه الحكم على الواقع.

المصدر : مجلة Science Humaines  العدد 300 _2018.


اقرأ أيضًا: الأسرة والدولة واقع يُرى بالمجهر والتلسكوب

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ياسين ادوحموش

مترجم ومدون من المملكة المغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق