ثقافة وفنون

العنف في الميديا.. حينما يصبح العالم الافتراضي واقعًا أشد قسوة

العنف في الميديا لم يعد مجرد أرقام وبيانات تطلقها منصات الأبحاث الاجتماعية، بل أصبح واقعًا ملموسًا يحذر من مجتمع يوازي العالم الافتراضي بكل مخاطره وانفعالاته.

فمشاهد العنف ليست محصورة على الأفلام والمسلسلات فقط، لكنها صارت بين أيدينا في ألعاب الموبايل والفيديو (مثل call of duty والأشهر في يومنا هذا لعبة pubg) التي يستخدمها الجميع كبارًا وصغاراً، حيث يتطلب الفوز بها قتل كل من حولك أو تخلص فريقك من الآخرين.

وهنا يأتي السؤال؛ هل حقاً هناك رابطًا بين مشاهد العنف في الميديا المعروضة أمامنا وانتشار الجريمة في المجتمع؟

حوادث ارتبطت بالعنف في الميديا

في حادثة غريبة بكل تفاصيلها، يكتشف أب من الفيوم في صعيد مصر، أن زوج ابنته نشر صورتها عارية وقرر أن يُعاقبه، وكان العقاب أن جعل الزوج يرتدي «قميص نوم نسائي» وينزل به الشارع ويُصوره، ثم يقوم بالاعتداء عليه ضربًا، مُكرراً مشهدًا من مُسلسل «الأسطورة» للممثل محمد رمضان كان يعرض وقتها.

وبولاية فلوريدا في الولايات المتحدة، اقتحم ملثم بسلاح رشاش مدرسة، وقتل 17 طالبًا وأصاب آخرين، مما جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في عام 2018، يفتح حواراً مع الكونجرس حول العُنف المعروض في الأفلام وألعاب الفيديو، قائلًا: «هذه الألعاب والأفلام تشكل وعي أبناءنا وتؤثر على سلوكهم».

وأعاد حادث فلوريدا للذاكرة الأمريكية الجريمة المروّعة التي وقعت في مدرسة ساندي هوك سنة 2012، حيث تعرضت لاقتحام مسلح، راح ضحيته 20 طفلًا و6 بالغين، قبل أن يقتل المسلح نفسه في النهاية.

الأمر بدا مأساويًا لدرجة وجه البعض أصباع الاتهام للأفلام والألعاب المنتشرة المليئة بالعُنف، ولكن هل العنف في الميديا له علاقة مباشرة بارتكاب الجرائم أم هناك عوامل أخرى؟

العنف في الميديا: صرخة الأبحاث الاجتماعية الدائمة

هناك ثلاثة أنواع من الأبحاث القادرة على إثبات العلاقة بين العنف في الأفلام أو الميديا عموماً وزيادة انتشار العنف في الأطفال. وهم؛ أبحاث مقطعية، وأبحاث طولية، وأبحاث معملية.

بدايةً من الأبحاث المقطعية، وهي نوع من الأبحاث تحدد العلاقة بين ظواهر مختلفة في وقت مُحدد ومكان مُحدد، كما أنها سهلة التنفيذ، ولكنها من الصعب أن تُقدم دليلًا قويًا عن علاقة الظواهر ببعضها، لأن تلك العلاقات سطحية.

فمثلًا في بلد مُعين في وقت مُحدد، يحدث زيادة في مبيعات ألعاب الفيديو المليئة بالعنف، اقترن بهبوط واضح في معدل الجريمة في تلك المدينة. وبالتالي فمن المفترض أن تقول أن بيع الألعاب المليئة بمشاهد العنف يساعد على تقليل الجريمة، ولكن الحقيقة هي أن عوامل كثيرة متداخلة في الأمرين يصعب ربطها معًا.

أما الأبحاث الطولية؛ فهي أبحاث تُجمّع بيانات مجموعة من الأشخاص خلال مدى زمني طويل قد يصل إلى عقود متواصلة، هذا النوع من الأبحاث يُستخدم في كشف آثار أمر ما، من بينها علاقة مشاهدة الأطفال لمشاهد عنف بالسلوك العدواني عندما يكبرون.

هذه الأبحاث تأخذ في الاعتبار عوامل كثيرة تجعل نتائجها أكثر وضوحًا، لكن عند مناقشتها مسألة تربية الأهل غير السوية، فنتائج تلك الأبحاث الاجتماعية صعبة التحقق على أرض الواقع، فكيف سنتابع طفلًا بدءًا من مشاهدته لمشهد عنف مرورًا بتصرفات الأهل معه، ومدى تعرضه للعُنف في المدرسة والشارع، دون عزل الطفل هو وأسرته في معمل، وهذا يأخذنا للنوع الثالث.

يسمى النوع الثالث من الأبحاث بـ«الأبحاث المعملية»، وهي أبحاث تركز على ظاهرة واحدة –في هذه الحالة مُشاهدة العنف– وتبتعد عن باقي العوامل وتعتبرها ثابتة، باعتبار المعامل لديها القدرة على السيطرة على كل العوامل المتباينة، وبالتالي النتائج التي تخرج من هذه الأبحاث تكون قوية ودقيقة ولكن يشوبها مشكلة واحدة؛ تتمثل في ابتعادها عن الواقع، حيث يوجد عوامل كثيرة متداخلة في السلوك العدواني لا تتوافر في المعامل.

يلاحظ من تعدد تلك الأبحاث، صعوبة الربط بين مُشاهدة العُنف وانتشار الجريمة، فالأبحاث قليلة والنتائج متضاربة والأطباء النفسيين في جدال وغير قادرين على الوصول لنتيجة سهلة واضحة ونهائية.

التعارض بين الأبحاث

نشر الدكتور جوزيف هيلجارد، المدرس المساعد في قسم علم النفس في جامعة ولاية الينوس، دراسة علمية تؤكد أن هناك تحيزًا في نشر النتائج العلمية بشأن الربط بين مشاهد العنف وتأثيره على الأطفال، أما الأبحاث التي لم تجد أي نتائج إيجابية لم تُنشر، مما يعني أن النتائج المنتشرة للعامة ليست كاملة، ولم يُنشر جميع ما وصل إليه العلماء في هذا الشأن.

وترى الدراسة أن ألعاب الفيديو العنيفة تؤثر سلبًا على سلوك الطفل، دون أن تبين مدى تأثيرها في تغيير السلوك.

ومن جانبها، أوضحت الجمعية الأمريكية السيكولوجية (APA) في تقرير لها عام 2015، أن لعب الأطفال للألعاب العنيفة يزيد من سلوكهم العدواني، لافتةً إلى أن جميع الأبحاث التي أجراها العلماء على تأثير الميديا العنيفة في السلوك الإجرامي لم تجد أي دليل قاطع على وجود رابط.

واتفقت نتائج التقرير مع تحليل تم نشره عام 2008، في مجلة «السلوك والعدالة الجنائية» العلمية، تشير إلى أن الأبحاث لم تستطع تحديد أي علاقة بين الأفعال الإجرامية ومشاهدة العنف في الأفلام، فعدم القدرة على إثبات الرابط بينهما لا يعني عدم وجوده.

وفي بحث مقطعي نشر سنة 2012 أجراه الدكتور أندرسون، الخبير في العلاقات الاجتماعية، على ولاية أيوا، وجد أن هناك علاقة وثيقة بين لعب الأطفال لألعاب الفيديو العنيفة وممارستهم للعنف، الذي اتخذ أشكال قتالية بين مجموعات الشباب، أو التعدي على مدرس أو زميل أو أحد أفراد الأسرة.

وبحث أخر نشر في سنة 2003، استهدف أطفال يحصلون على تعليم جيد وتربية سوية، وجد أن من بين 153 ذكر شاهدوا أكثر المسلسلات عُنفا، أطفال على الأرجح تتراوح أعمالهم بين 15-18 عام ارتكبوا سلوكيات عنيفة وأدينوا جنائياً. وبتطبيق نفس البحث على الإناث خرجت ذات النتائج.

كما تم إشراك 216 طالب تتراوح أعمارهم ما بين (13-17) عام، في بحث جرى في كوالالمبور وماليزيا، اتضح أنه كلما زادت ساعات مشاهدة الطفل للعنف في الأفلام كلما زاد ميله للسلوك العدواني.

«السر» وراء السلوك الإجرامي للأطفال والبالغين

رد الدكتور أندرسون على تقرير الجمعية الأمريكية، موضحًا أن الجمعية لم تأخذ في الاعتبار أبحاثًا أجريت عن تأثير المسلسلات العنيفة، وأيضًا لم يشمل التقرير أبحاث منشورة منذ 2013 عن تأثير العنف في ألعاب الفيديو.

وأكد خبير العلاقات الاجتماعية، في تقريره المنشور عام 2015، أن «وجود رابط بين السلوك العدواني ومشاهدة الميديا العنيفة، لا يعني أن وسائل الإعلام فقط لديها القدرة على تحويل طفل سوي إلى مجرم، والذين نفذوا أفعالًا إجرامية مجرد حالات خاصة، والأسباب التي أدت بهم إلى ذلك كثيرة ومتشابكة ومختلفة حسب اختلاف الوقت والمكان».

وبالنسبة للبالغين، يقول أندرسون: «لا يوجد أي دليل أن عملًا تلفزيونيًا عنده المقدرة على تحويل شخص بالغ سوي إلى مجرم، بل هي بالتأكيد عوامل أخرى، فلا يمكن أن يكون مسلسل له تأثير السحر فهذا شيء غير منطقي».

وأصدرت وزارة الداخلية المصرية، بياناً يكشف معدلات الجريمة لسنة 2018، حيث أرجع ارتفاع الجرائم إلى عدة أسباب من بينها انتشار الأسلحة النارية، والبطالة، والفقر والإدمان، والعُنف الاجتماعي، والإفراج عن عدد كبير من العناصر الإجرامية، وغياب الوعي الثقافي، بالإضافة إلى تقليد الأعمال الفنية.

وأعتقد أن آخر عامل هذا قد تفحصناه جيداً في هذا المقال، آملًا أن أكون نقلت الحقيقة لكم بوضوح -رغم تعقيدها- للقارئ العربي.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ريمون بحر

كاتب/طبيب أسنان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق