أسلوب حياة

العنف ضد المرأة، ضد نصف المجتمع ونصف الحياة.

كم مرةً سمعت هذه العبارة؟ المرأة نصف المجتمع ونصف الحياة. حسنًا المرأة ليست نصف، وكيف لها أن تكون نصف! من خلق هذه المشاعر داخلها، وزرع هذه القناعات في رأسها؟

المرأة كيان كامل متكامل قائم بنفسه بدون أن يدخل عليها نصف ثاني ليكملها، هي ليست لعبة تجميع الصور التي تنتظر أن يكملها أحد لتكتمل ملامحها وتظهر للناس، نعم هي ليست ناقصة وإنما تكون بحاجة إلى رجل بجانبها كرفيق درب يكمل معها حياتها، يقوم بدلاً عنها بالمهام التي تتطلب ربما جهدًا جسديًا، يحميها من الناس وتعتمد عليه في ذلك، كلٌّ بكيانه الخاص ليكملا سنّة الحياة ويحققا الهدف الأسمى منها ألا وهو الإنجاب. لكن ماذا لو كان هذا الرجل هو الجدار الذي يميل ويدعها تقع، لا بل ويحطم كيان المرأة، فماذا عساك تقول في هذا؟!

يُخيّل إليك للوهلة الأولى أننا تغيرنا وتغير عصرنا معنا، تغيرت أفكارنا وعاداتنا وتقاليدنا، ليست المُسلّمات منها، بل تلك التي تجعلنا بدائيين وتخرجنا عن تصنيفنا كبشر مرتاعين في عالمهم. لطالما نهشت دماغي أفكار تدور حول كائن ظنّه العالم ضعيفًا، نعم المرأة هي أول كائن يتسارع إلى ذهنك عندما نذكر الضعف واللين، العواطف والرقة، التنازل والاستكانة. لكن هل هذا يميّز المرأة؟! يجعلها كفريسة في البداية، والعالم من خلفها يلاحقها كوحشٍ فاههُ مفتوح وما إن ينقض عليها حتى يطبق عليها فكيه وينهش لحمها إلى أن يطمس معالمها ويشوّه ملامحها، ثم تصبح جيفةً لا تكفي حتى طعاما” للطيور، فترمى عظمًا ثم تتحلل حتى تصبح لا شيء. أيّ عصرٍ مقيتٍ هذا الذي نعيش فيه!

وكيف لرجلٍ أن يفهم منذ الصغر أن ما يتعلمه ويلتقطه من كلمات من هنا وهناك يمكن أن تكون خاطئة وأن تخلق في نفسه عدوانية لا تظهر إلا بعد أن يصبح ناضجًا، وللأسف لا يحاول نفي ما قد تعلمه أو معارضته، بل يعززه أكثر فأكثر حتى يصبح  ممارسًا للعنف على المرأة، نعم عزيزي الرجل أنت لست صيادًا بارعًا، والمرأة ليست فريستك، وإن تشوقت في الوصول إليها كصياد قد ظفر بفريسته فلا تنهش لحمها.

عصرنا تغيّر وغلب علينا الأمر، فنحن لم نتمكن أبدًا تغيير ما نحن فيه لكن ألا يمكن أن نغير أنفسنا، ننظر إلى وضع المرأة بعينيّ إله، نرأف بها وننكب على مشاكلها ونعيرها بعض الاهتمام لنصغي إلى وجعها، إنها لا تغوى الشكوى ولا المماطلة، ليست أفعى إلا في رقتها بالانسياب والحركة، ابتعادها عن مكان الخطر وارتماءها بين الأغصان لتحجب عنها الأذى، لا يسعني سوى الكتابة والكتابة إلى أجلٍ غير مسمى، لعلّي أحكي قليل القليل عما تشعر به عندما تتعرض للعنف وتذرف الدمع الحارق حرقة” على ما حلّ بها.

هلا تفكر لبرهة ماذا كان حال هذا الكائن الضعيف قبل مئات السنين، هل يسعك أن تعرف أنها لطالما كانت روحها روح إله، أن كان حولها رجالٌ يقدّسون حيضها ويَعجبون إلى ما تمرّ به من تحوّلات، كيف تحمل في أحشائها روحًا يعتمد عليها كليًّا حتى يصبح رجلًا! نعم لقد غذتك في رحمها من دم حيضها ومنحتك نفسها وصبت عليك غذائها، هل لك أن تنظر إلى يدك التي انتظرت منها الرقة والحنان واللمسة اللطيفة، وتتذكر عندما رفعتها لتترك علامة” زرقاء اللون على جلدها الأسمر أو الأبيض، الخشن أو الناعم. عندما أدخلتك قوقعتها احتضنتك وقدمت لك كل ما تحتاجه لتنمو وتعيش، ولكن عندما أدخلتها قوقعتك ظننت أنها ستؤذيك فتبجحت وأذيتها عن قصد دون رحمة.

المسلمات هي الأخلاق التي لا يمكن أن يختلف عليها اثنان، والأخلاق أصولا” ترسم لك خطوطًا حمراء لتنذرك بأن اقترافك الذنوب بحق المرأة معصية، تلك التي وهبتك منها الكثير، من جسدها ووقتها، عطفها وحنانها أو حتى مستقبلها. حسنا” الحديث يطول عن الممارسات التي قد تعرضت لها المرأة في جميع أنحاء العالم وأصبحت قضية العنف تلك قاب قوسين أو أدنى.

لا شك أنّ الظلم كان ولايزال وسيبقى موجودًا حتى تفنى هذه العوالم، وربما أن منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية والكثير من الناشطين المعنيين بقضية المرأة كانوا سببًا في انتشار الحوادث التي لا تحصى إلا أننا لا بد أن نوجّه نظرنا نحو بعض الحلول التي قد تحدّ مما قد غرقنا فيه. نعم نحن غرقنا بالمعاصي بعد أن تغاضينا قضية العنف ضدّ المرأة. هل سبق وأبلغت جهًة مختصة عن قريبتك التي كانت تتعرض للعنف من زوجها، أو هل فكرت ولو لمرة واحدة بتحويل قضية جارتك في الحيّ التي تتعرض للضرب والإهانة والتخويف مرات عديدة في اليوم إلى قضية رأي عام. الإجابة على الأغلب ستكون لا، كون القصة لا تعنيك أو أنك تريد أن تبقي نفسك خارج دائرة الاتهام على أنك كنت سببًا في تفريق عائلة! أيّما عائلة!

بيد أنّ بعض البلدان تتلذذ بتعذيب المرأة بحجة تقويمها أو منعها من فعل الكبائر أو إبعادها عن الخطر الذي يجول هذا العالم منتظرًا هذه المرأة أن تخطو خارج بيتها كي ينقض عليها، بينما هي تعيش أقسى لحظات حياتها وأشدها ألمًا في منزلها بين أفراد عائلتها أو في عشها الزوجية أو مع أطفالها، هذا المكان الذي تحسبه يحميها أصبح سجنًا بأربعة جدران ورجل!

هنالك الكثير من الأفكار المغلوطة التي نتناقلها عن أجدادنا الذين ذهبت ملامح عصرهم ولم تعد تفيدنا أفكارهم وخزعبلاتهم بشيء، فنقول مثلًا أن تلك الفتاة كانت والدتها غير صالحة وهي يومًا ما ستسلك ما سلكته أمها ولذلك يجب تقويمها ووضعها على الطريق الصحيح، فتبدأ الممارسات التي تجعل أفق الفتاة محدودًا، محرومًة من أبسط حقوقها كإنسانة. كيف يمكن أن تساهم هذه الفتاة المعنفة في تنشئة أسرة، كيف لها أن تكون أمًا وتغدق الحنان والعطف على أطفالها وهي لم تحصل على هذا الحنان البتة. طبعًا ما سيحدث هو أن الخطأ سيجلب خطأً أكبر والسبب في ذلك هي أن الفتاة ترسخ في ذهنها العنف والضغط، الصوت العالي وقساوة القلب، فكيف لها أن تكون طرية النفس ليّنةً مانحةً بعد كل هذا!

إذًا ما يهمنا هو توفير الوسط المناسب المريح نفسيًا، الوسط المستقيم الذي يؤهل المرأة لتكون جيش الرجل في أحلك أوقاته وتسنده في أوقاته العصيبة وتكون مانحة للعطف والحنان دون مقابل، أن تكون أمًا حنون، أن تكون معلّمة وطبيبة وغيرهن الكثير .

وانت كيف يمكن أن تساهم في الحدّ من هذه ظاهرة العنف ضد المرأة؟

Farah Diba

خريجة ترجمة لغة انكليزية، مهتمة بتعلم اللغة الفرنسية، مترجمة من وإلى اللغتين العربية والانكليزية، مدوّنة حرّة، قارئة من الدرجة الأولى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى