علوم وصحة

العنف المرافق لنا منذ عصور ما قبل التاريخ

العنف المرافق لنا منذ عصور ما قبل التاريخ ..

في 1987 قامت ريبيكا كان وزملاؤها بأول دراسة تركز على الحمض النووي للميتوكوندريا البشرية بغرض دراسة التنوع الوراثي لدى البشر المعاصرين. وقد أظهر المشجر الذي أنشئ بناء على بيانات تحليل الدنا الميتوكوندري أن الإمرأة التي يتشارك جميع البشر المعاصرين في نسلها، واصطلح على تسميتها “حواء الكوندرية” عاشت قبل حوالي 150 ألف سنة.

وفي عام 2000 نشرت دراسة علمية رائدة لإنشاء مشجر وراثي مبني على كروموسوم واي (الصبغي الذكري) بينت أن السلف الذكر (لنسمه اصطلاحًا آدم) الذي ينسل جميع الذكور المعاصرين منه، عاش قبل نحو 59000 سنة. وهذا يعني أن “آدم” و”حواء” لم يحدث أن التقيا اتفاقًا، فقد تخلف “آدم” ما يقرب من 90000 سنة، و”حواء” لا تستطيع الانتظار كل هذه الفترة!
وهذا يعني أيضًا أن أكبر التنوع الوراثي اليوم أسهمت فيه النساء، وذلك يعود ربما إلى تشتيت النساء لجيناتهن على نطاق واسع مقارنة بالرجال. ربما كان الرجال يحبذون التزاوج والإنجاب بالقرب من مولدهم، بينما تنتقل النساء ليكن مع شركائهن، كما هي العادة السائدة لدى غالبية القبائل البدائية المعاصرة.
إن العالم ستيفن بينكر لديه رؤية أكثر قتامة لأسلافنا يمكن أن تعمل كتفسير للمسألة، فهو يرى أن أجدادنا كانوا غزاة جوالين، يقتتلون بين الفينة والأخرى، فيكون الرجال معرضون للقتل، أما النساء فيتعرضن للسبي، فيقول بينكر في كتاب (كيف يعمل العقل):”تعد النساء الغنائم الأكثر شيوعا في الحرب القبلية. المغيرون يقتلون الرجال ويختطفون النساء اللاتي في سن التزاوج، يغتصبونهن ويوزعونهن كزوجات. من شأن هذا تعزيز النجاح التكاثري للذكور”.
قبل حوالي 30000 سنة، حدث جنوب الهند أن التقت زمرة من الوافدين الجدد، بجماعات كانت قد وصلت إلى المنقطة قبلهم بـحوالي 35000 سنة. ويظهر النسق الوراثي احتمال أن الاختلاط بين الزمرتين لم يكن متبادلًا. وفي حين تدخل أنساب الدنا الكوندري للجماعة الوافدة وتنتشر انتشارًا كبيرًا، نرى أن تواتر واسمات السكان الذين سبقوهم في جنوب الهند هو 5% فقط في السكان المعاصرين.
العنف المرافق لنا منذ عصور ما قبل التاريخ ..
ما يعنيه هذا أن الغزاة الجدد قد سلبوا زوجات كثر من الجماعة الساكنة، بينما قتل الرجال أو تم طردهم بعيدًا لتندثر جيناتهم لاحقًا. وفي هذا السيناريو نجد الصورة القاتمة التي اقترحها ستيفن بينكر. يبدو أن أسلافنا لم يكونوا باللين الذي نتوقعه، فالعنف كان غالبًا في معظم اللقاءات ذات النطاق الواسع!
وهذا الاستنتاج لا يعود مستغربًا إذا ما علمنا أنه كلما وصل الإنسان العاقل إلى منطقة جديدة فإن غالبية الثديات كبيرة الحجم تصبح معرضة للإنقراض. على سبيل المثال، مع وصول الإنسان إلى أستراليا قبل نحو 45 ألف سنة، اختفى حوالي 90 بالمئة من الحيوانات الضخمة التي عاش بعضها لأكثر من مليون سنة. والأمر نفسه تكرر مع وصول الإنسان إلى القطب الشمالي والأمريكيتين ونيوزلندا.
كما يشتبه العلماء أن الإنسان العاقل ربما يكون قد ساهم في حدوث إبادة بحق أنواع بشرية أخرى مثل النياندرتال في أوروبا والإنسان المنتصب في إندونيسيا الذي كان يعيش حتى 20 ألف سنة خلت. وحتى اليوم لا زال الإنسان يدفع غالبية الأنواع إلى الإنقراض مع تغلغل الإنسان في مزيد من البيئات.

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى