مقالات

العنف الرقمي، حاجز جديد في طريق النساء نحو تحقيق حقوقهن

تعرضت ثلاثة أرباع النساء المستخدمات للأنترنت إلى شكل من أشكال العنف الرقمي وفقًا لتقرير للأمم المتحدة، وتتنوع أشكال هذا العنف بين الإساءة اللفظية والتهديد بالعنف الجنسي، والقتل والمطاردة عبر شبكة الإنترنت وانتهاك المعلومات الشخصية أو نشر معلومات وصور مسيئة عنهن، أما بالنسبة للربع الأخير من النساء ممن لم يختبرن العنف على الأنترنت بشكل شخصي فمن المؤكد أنهن قد عايَشنَه من خلال قصص المُعنفات رقميًا التي يتم مشاركتها يوميًا عبر مختلف مواقع التواصل الإجتماعي.

في الوقت الذي فَتحت فيه الأنترنت فضاء حرًا للنقاش لم يوفره العالم الحقيقي لاسيما لفئات معينة مثل النساء اللاتي مازلت أصواتهن تتعرض للتجاهل خصوصًا في ما يتعلق بمواضيع معينة مثل النِّسوية والمساواة، ظهرت أشكال العنف الرقمي ضدهن لتنقل المضايقات التي يتعرضن لها في الواقع إلى الإنترنت التي إعتقدن في وقت سابق أنها ستكون متنفسهن.

ومن خلال ما يتم ملاحظته يمكننا القول أنه يوجد ما يمكن وصفه بالجهل بخصوص الأشكال الجديدة التي أفرزنها الثورة الرقمية و الأنترنت، و العنف الرقمي ضد النساء هو أحد تلك الإفرازات السلبية التي تُقابل بجهل، وتجهلها حتى المتضررات منها أنفسهن.

ما المقصود بالعنف ضد النساء عبر الأنترنت؟ العنف الرقمي

تُعرّف الأمم المتحدة العنف ضد النساء عبر الأنترنت بأنه ” أي عمل من أعمال العنف، يُرتكب ضد المرأة وتساعد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مثل الهواتف الذكية والأنترنت أو منصات التواصل الاجتماعي أو البريد الإلكتروني في تفاقمه”.

يعد العنف ضد المرأة عبر الانترنت انتهاكًا لحقها في حرية التعبير وتعدي على حقوقها الإنسانية التي تكفلها لها المواثيق والإتفاقيات الحقوقية الدولية مثلها مثل الرجل.

وتتعرض النساء لهذا العنف – العنف الرقمي- تقريبًا بشكل يومي خلال استخدامهن لشبكة الأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، ويأتي هذا العنف في أشكال متعددة كاستقبال رسائل تحمل تهديدات بالقتل أو الاعتداء جنسيًا أو العنف البدني، كما قد تتعرضن لمحاولات تتبع وإنتهاك للمعلومات الشخصية عبر البرامج الضارة أو قد يتم نشر معلومات أو صور مسيئة لهُن بهدف تدمير سمعتهن والتشهير بهن.

في بعض الأحيان قد يكون الشخص الذي يقف وراء هذه الأعمال شخصًا على معرفة شخصية بالضحية في حياتها اليومية ويستغل امكانية التواجد عبر الأنترنت بهوية مجهولة ليقوم بأعماله المريضة.

العنف الرقمي ضد النساء، جهل واسع بأضراره

لا يعي الكثير من الأشخاص حجم الضرر الذي قد يلحقه العنف الرقمي بنفسية المرأة، كما يرفض الكثيرون الإعتراف به خصوصًا إذا تعلق الأمر بممارسته ضد شخصية عامة، لكنّ الأبحاث والدراسات الدولية أثبتت وجود آثار سلبية لهذه الظاهرة أخطر مما كان يُعتقد، فتعرُض النساء للتهديد باستمرار يجعلهن يعشن شعورًا من الرعب النفسي الذي يهدد صحتهن العقلية والجسدية على حد سواء، كما يمكن للقلق والتوتر المستمر الذي يصيبُهن أن يدمر علاقاتهن الإجتماعية ومسيرتهن المهنية نهائيًا.

أما على مستوى الحقوق فإنّ ترهيب النساء وجعلهن يمارسن رقابة ذاتية على آرائهن خوفًا من التعرض للأذى يؤدي إلى  مصادرة حقهن الطبيعي في المشاركة في اتخاذ القرارات المؤثرة في محيطهن، مع التنويه إلى أنّ ممارسة العنف على النساء من خلال شبكة الأنترنت لمنعهن من ابداء أرائهن بخصوص القضايا المهمة في محيطهن الإجتماعي لا ينعكس سلبًا على المعنيات به فقط بل يقلص كذلك مساحة الحرية في المجتمع ويعيق مسار تقدمه نحو الديمقراطية.

وغير الأضرار النفسية والجسدية على الضحايا، الشيء المخيف حقًا حول ضرر هذا الشكل الجديد من العنف هو أنه مازال في مرحلة تطور، وكلما اعتقدنا أننا تعرفنا على مظاهره ستظهر لنا أشكال جديدة تضطرنا للتفكير فيها من جديد، فوفقًا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة “التطور السريع للتكنولوجيا الرقمية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، سيؤدي حتمًا إلى ظهور مظاهر مختلفة وجديدة للعنف ضد المرأة على الإنترنت”، وبالتالي فإننا في مواجهة ظاهرة لم تكتمل مظاهرها بعد ما يجعل إيجاد الطريقة الصحيحة للتعامل معها والتصدي لها أمرًا صعبًا.

محاربة العنف الرقمي ضد النساء، تقاعس شركات التواصل الإجتماعي الأشهر

العنف الرقمي

في عالم نتواجد فيه وقتًا ليس بالقليل يجب أن يتم التعامل مع جميع ظواهره بجدية بما فيها ظاهرة العنصرية المبنية على الجنسانية عبر الإنترنت، لهذا وجب تضافر جهود جميع الأطراف المعنية من أفراد وشركات وحكومات لإنهاء ما يمارس من عنف هناك.

و في طريق معالجة مشكلة العنف الرقمي ضد النساء يجب أولًا وقبل كل شيء الإعتراف بالعنف ضد النساء عبر الأنترنت بوصفه عنفًا حقيقيًا يحتاج إلى حل، لأنّ هذا سيٌوًعي كثيرًا من الضحايًا ممن لم تكنَ واعيات بالعنف المفروض عليهن، كما سيساعد الكثير من العائلات على فهم بناتهن ومساعدتهن.

بالنسبة للحكومات فيجب عليها إدراج العنف ضد المرأة على الأنترنت كجزء من مخططاتها الرامية إلى إنهاء العنف ضد المرأة ككل، كما يتوجب عليها أن تنظر إلى ذلك باعتباره حاجزًا أكبر أمام النساء والفتيات في ممارسة كامل حقوقهن الإنسانية.

أمّا شركات التواصل الإجتماعي أو من يمكنه لعب الدور الأكبر في عملية إنهاء العنف الرقمي ضد النساء فيجب على القائمين عليها اتخاذ خطوات استباقية لضمان عدم تمكين مساحة لمظاهر العنف، كما يفترض منهم تعزيز سياساتهم الداخلية بما يتيح للنساء التبليغ عن حالات العنف التي يتعرضن لها، وبعد استقبال هذه الشكاوي ينبغي عليهم النظر فيها بجدية أكبر مما يقومون به الآن.

هذا ما يفترض أن تتعامل به شركات التواصل الإجتماعي الكبرى مع ما يحدث في مواقعها من عنف، لكنّ المؤسف في الأمر هو أنّ تقارير المنظمات الحقوقية قد أشارت مسبقًا إلى أنّ المسؤولين عن مواقع التواصل الإجتماعي لا يملكون أي نوايا جدية في التعامل مع العنف ضد النساء الذي يحدث في فضاءاتهم الرقمية.

في النهاية يمكن القول أنّ العنف ضد المرأة عبر الأنترنت هو أحد أشكال اللامساواة بين الجنسين الراسخة وأنها مجرد طريقة أخرى لحرمان النساء والفتيات من حقوقهن الإنسانية، وهذا ما يضيف في طريق النساء والفتيات عقبة أخرى يجب تخطيها بهدف تحقيق حقوقهن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى