سياسة وتاريخ

العنصرية.. الميراث الثقيل الذي أشعل الفتن والحروب على مر التاريخ

منذ أول انطلاقة للخليقة، وحينما بُثّت الروح في جسد آدم عليه السلام، ظهرت أولى بوادر التفرقة والتمييز من خلال مقاييس غير موضوعية قام بها إبليس، فمنح نفسه الأفضلية على آدم لأنه خُلِق من نار وغريمه من طين. هذه المقاييس الخاطئة انتقلت إلى بني آدم، وأخذت تتوسع وتأخذ أشكالاً مختلفة يميز بها الأفراد أنفسهم داخل المجتمع، ومن أوضح هذه الصور هي اختلاف لون البشرة، فظهرت العنصرية ضد السود ومازال ذوو البشرة البيضاء يحاولون استعباد ذوي البشرة السوداء. وإن كانت السلطات تحاول أن تحجم هذه الأفكار المتطرفة، إلا أنهم لم يستطيعوا ذلك؛ لأن الأفراد أنفسهم يؤمنون بهذه التفرقة التي تجعل منهم أسياداً لغيرهم من ذوي البشرة الداكنة.

العنصرية ضد السود جوهر العبودية عبر التاريخ

لقد ارتبط عند المجتمع أن صاحب البشرة السوداء يطلق عليه “عبد”، مع أن كلمة عبد لا تعني أنه أسمر البشرة ولكن هذا المعنى متوارث بسبب استغلال واستعباد والعنصرية ضد السود على مر العصور، والذين عانوا كثيراً، لا لذنب سوى أنهم يمتلكون لوناً داكناً وملامح وجوههم تختلف عن الآخرين، ولم يكتف المتطرفون والعنصريون عند هذا الحد، بل هم يرون الهنود الآسيويين والهنود الحمر، وبعض القبائل الآسيوية وغيرهم أدنى منهم بالمستوى، وإن أجبرتهم الظروف على قبولهم في المجتمع، إلا أن بذرة التفرقة موجودة وتنتظر الفرصة المناسبة ليعبروا عن مكنونهم.

حتى في الإسلام كان هذا التمييز حاضراً وبقوة، وكانت محاولات النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يحجم هذه النزعة العنصرية، مؤكداً أن “كلنا من آدم وآدم من تراب”، و”لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”، فاللون واللهجة والشكل والقومية والعشيرة والتحصيل العلمي والمال لا تعطي الأفراد الحق بالتميز بها على غيرهم بما يهدر بذلك كرامتهم، وبطريقة تزدري الآخرين وتعتبرهم بالمقام الأدنى، وهذا ما أشار إليه الإمام علي -رضي الله عنه- في إحدى رسائله لولاته، وهو يوصيه بأن “الناس صنفان إما أخ في الدين أو نضير في الخلق”، كل هذه المحاولات أرادت من المسلمين أن يعتمدوا هذا المنهاج ليبتعدوا عن هاوية التفرقة والتمييز العرقي والقومي والقبلي وغيرها.

اقرأ أيضًا: الوجه القذر.. حادث مينيابوليس يطرح عباءة القديس عن أمريكا

حروب ودسائس أشعلتها العنصرية

تعدى التمييز بين الأفراد مرحلة اللون والانتساب والشكل واللغة وغيرها، ووصل إلى مراحل الانتماء الديني والتفرقة الطائفية، كانت نواتها الأولى بين معسكرين، إحدهما الموحدين والآخر الكفار والمشركين والمعاندين، لكن انتقلت هذه العدوى إلى حصول التفرقة بين أبناء الدين الواحد، كما حصل مع بني إسرائيل، ومن ثم مع النصارى، وبعد ذلك بين المسلمين، هذه الانقسامات التي تأسست بسبب اختلاف الآراء بين كبار علماء تلك المذاهب والطوائف، استخدمها عامة الناس للتمييز والتفريق، حتى وصلت مراحلها إلى التحريض ومن ثم إلى سفك الدم والتهجير والتنكيل فيما بينهم، وهتكت الحرمات داخل البيت الإسلامي، وسط ادعاءات تمحورت بأن الحق معهم لا مع الآخرين.

وتنتقل ذات المفاهيم العنصرية من جيل إلى آخر، تزيد الأمور تعقيداً، وتنفخ في أبواق الحرب، ومن المؤسف أن أغلب أفراد المجتمع قد تربى عليها وتشبع بها، وهو يؤمن بأنها طريقه للنجاة، مع أنها لم تكن كذلك أبداً، هذه المقاييس الباطلة بقدر ما تنتج مظلومية فإنها تنتج وحشية وردود فعل لا يُحمد عقباها، والتاريخ يشهد على ذلك، فالوحشية التي أدت إلى فناء قبائل كاملة من الهنود الأحمر في حرب استعمارية كانت نواتها التمييز العرقي، وكيف انتهت الملايين من الأفريقيين بين سجين ومشرد ومقتول، عاشوا وماتوا ولم يعرفوا في حياتهم طعم الاستقرار، وبسبب النظرة المتعالية للنازيين الألمان اندفعوا لخوض الحروب وإبادة الشعوب على أساس التمييز العرقي والقومي والديني.

من يرفض أن يكون تحت هذه النظرة من الدونية عليه ألا ينظر إلى غيره بنفس النظرة، إن كنت وُلدت بلون أبيض، فليس ذلك باختيارك، وهو أيضاً ليس من اختيار من وُلِد باللون الأسود أو الأحمر أو الأصفر، وإن كنت غنياً فلا مسوغ لإذلال الفقراء، وإن كنت ولدت عربياً فلا يعني أنك أفضل من الآخرين، وإن كنت ولدت مسلماً، فالهندوسي ولد كما ولدت وتعلم من أبويه ومجتمعه كالذي تعلمته من أبويك ومجتمعك، وكما أنك ترى نفسك محقاً، غيرك أيضاً يرى نفسه كذلك، ولكن الأفضلية تتحقق بمقدار ما تعطي للناس، وبمقدار ما يأمن المجتمع من أفعالك وأفكارك، فترك المقاييس التي اعتمدها إبليس هي أولى خطوات النجاة من شرك الأفكار التمييزية الباطلة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

نجم الجزائري

نجم عبد الودود الجزائري، ولدت في العراق في محافظة البصرة عام 1980، من ابوين عراقيين، حصلت على شهادة الدبلوم في تقنيات الهندسة المدنية عام 2000، وفي عام 2007 حصلت على شهادة البكالوريوس في ادارة الاعمال من جامعة البصرة، وظفت في جامعة البصرة وما زلت اعمل فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق