سياسة وتاريخ

العنصرية الغربية انعكاس للعنصرية المشرقية

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي باللغة العربية والإنكليزية بموضوع التعليقات العنصرية الصريحة التي طفت على السطح أثناء تغطية الحرب الروسية الاوكرانية، التعليقات التي تفوه بها بعض المراسلين الاخباريين أو حتى السياسيين الغربيين، التي ذكرت أن أوكرانيا هي دولة متحضرة و لا تشبه سوريا والعراق او أفغانستان، أو تحدثت عن شقار النازحين و الشبه بينهم و بين جيران أي شخص أوروبي غربي، و أن ما حدث في بلدان العالم الثالث لا يمكن ولا يجب أن يسمح له أن يتكرر في أوكرانيا الاوروبية.

أدت هذه التصريحات، بشكل متوقع، إلى ردود أفعال عنصرية، هي أيضا، من قبل الناطقين بالعربية في الشرق الأوسط خصوصا، تعليقات عديدة أغلبها يتمحور حول “كشف الستار” عن الغرب الذي يدعي الحرية والعدالة والتسامح والمساواة، وعن الاستعداد الدولي و الأوروبي لاستقبال اللاجئين الأوكرانيين ومقارنته مع الامتعاض والمماطلة في استقبال اللاجئين من دول كسوريا و العراق و أفغانستان.

في البداية، ولنكن صريحين، هناك بعض الحقيقة فيما يعبر عنه المسلمين خصوصا من الشرق الأوسط بما يتعلق بازدواجية الغرب الليبرالي. التعليقات العنصرية تعبر فعلا عن رأي شريحة من المواطنين الأوروبيين، ولكن ما سبب هذا الرأي؟

لنفهم عنصرية الغرب التي أظهرتها الحرب الروسية الاوكرانية، يجب علينا النظر الى ذاتنا بشكل عاري تماما وبدون أي مجاملات، سيكون الاأمر مؤلما.

لا يخفى عن أحد أن أغلب العمليات الإرهابية في العالم عموما و في أوروبا خصوصا، كان بشكل أو بآخر سببها هو الإسلام السياسي، من اعمال الدهس إلى الطعن و قطع الرؤوس وإطلاق النار، المرتكبين لهذه الجرائم هم غالبا مسلمين سواء أعجبنا الأمر أم لا، هم مسلمين، لنتقبلها، لنسرع بالتصالح مع أنفسنا والاعتراف بهذا، كلما كان تقبلنا أسرع كلما استطعنا تجاوز هذه المشكلة.

أمر محرج للغاية، ولكن كيف كانت ردود فعل المسلمين بعد حدوث هذه الأعمال الارهابية؟

تنديد بالعمل الارهابي؟

نعم ولكن الهدف ليس التنديد بقدر ما هو التأكيد على أن الإسلام بريء من هذا الشخص، الإسلام لا يقبل هذه الأفعال، بل الاسلام هو اكثر دين متسامح في العالم وبالمناسبة هو الدين الاكثر ملائمة لكم أيضا أيها الاوروبيون، فنحن عندما جئنا الى اوروبا وجدنا اسلاما ولم نجد مسلمين، سبب نجاحكم هو تطبيقكم للاسلام بدون معرفتكم اصلا!

المسلم يحمل نفسه مسؤولية الدفاع عن الدين حتى قبل أن ينشف دم ضحايا العملية الإرهابية، وبهذا، المسلمين يرسلون رسالة للعالم مفادها ان الضحايا غير مهمة بقدر ما هو مهم أن يفهموا أن الاسلام بريء. المسلمين ليسوا جزء من الإنسانية و العالمية بقدر ما هم جزء من الاسلام، هذه الرسالة الضمنية التي تصل إلى المواطن الغربي. و بالتالي لماذا نحصل على تعاطف العالم معنا إن كنا مسبقا اعلنا مرارا وتكرارا عدم عضويتنا في العالم؟ نحن مسلمون أولا ومن ثم بشر!

لذا، قبل ان نتكلم عن العنصرية والنفاق الغربي، يجب علينا البدء بأنفسنا، بمراقبة عنصريتنا نحن تجاه العالم، عند حدوث عمل إرهابي في دولة ما، بدل أن نقوم بالدفاع عن الاسلام و تبرئته، يجب أن ندافع و نتعاطف مع الضحايا بشكل غير مشروط، يجب أن نعبر عن تضامننا معهم وعن مدى شعورنا بالأسى، ومن ثم نعبر عن الاشمئزاز من مرتكبين هذه الاعمال الإرهابية و المطالبة بالتشديد الامني على الجمعيات والمنشآت الاسلامية المتطرفة في الغرب التي تفرخ مثل هؤلاء.

هكذا نكسب تعاطف العالم معنا، عندما نتضموضع في صفوف المواطنيين الغربيين، عندما نتبنى القيم الانسانية، التي نطالب بالحصول على ثمراتها دون المشاركة في تبنيها، هكذا عندما يرمي الفلسطيني المولوتوف على مدرعة إسرائيلية، ربما ينظر له على أنه بطل يدافع عن ارضه كما ينظر للمدنيين الاوكرانيين بدل أن ينظر له على أنه ارهابي معادي للسامية.

الصمت الخليجي

عند مشاهدتي اخبار الحرب الروسية الأوكرانية وتفاعل الدول الأوروبية وخاصة المجتمعات المدنية مع اللاجئين، لم أستطع سوى التفكير بالحرب السورية و مقارنتها بردود فعل جيراننا من الدول الغنية حصرا من دول الخليج.

لماذا ننسى دائما أن السعودية و قطر و الامارات و الكويت و البحربن و عمان لم يستقبلوا أحد من اللاجئين، مع العلم ان دول الخليج اغنى من العديد من الدول الأوربية وهي اقرب و من السهل الوصول اليها بالإضافة الى عوامل الثقافة و اللغة والدين “المشتركين”، كلها عوامل لم تساهم في حث دول الخليج الشقيقة، حكومة و شعبا، على استقبال “إخوتهم” السوريين.

لننظر إلى أوروبا، هنالك ما يزيد عن 500 الف لاجئ مسجل في المانيا، 100 الف في السويد، 50 الف في النمسا، 30 الف في اليونان، 30 الف في هولندا، ثلاثة ملايين لاجئ في تركيا و العديد من الدول الاوروبية الاخرى استقبلت اعداد اصغر من اللاجئين عدا عن الاعداد الكبيرة المتواجدة في لبنان و الاردن والعراق، هذه الدول التي تحتاج الى مساعدة هي الأخرى.

بعد تذكر هذه الإحصائيات، ربما الأوروبيين ليسوا بهذه العنصرية. ربما من الأجدر بنا كأبناء دول العالم الثالث، كبشر مسحوقين و مشمئزين من العنصرية و الفقر والحرب، أن نوجه غضبنا على الدول الأقرب و الأغنى لنا التي تخلت عنا في أصعب أزماتنا.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى