ريادة أعمال وإدارة

ملاحظات حول تجارب العمل و الدراسة عن بعد

في خضم المعاناة والويلات التي اجتاحت العالم من أقصاه إلى أدناه في الفترة الممتدة من بداية العام الفائت 2020 حتى يومنا هذا بسبب تفشي جائحة الـ “كوفيد 19″، اتخذت الكثير من الأمم إجراءات ومحاولات للحد من والسيطرة على تفشي الوباء، سواء عن طريق اللقاحات أو سن شروط الوقاية عبر منع الكثير من الأنشطة المجتمعية والسفر والتجمعات بكافة أشكالها سواء كانت عامة أو حتى عائلية، وفرض الالتزام بالتباعد الاجتماعي وارتداء الأقنعة الواقية… وقد كُتِب في هذا الموضوع الكثير، منها التقارير والملاحظات السلبية والإيجابية، ومنها الإشادات والانتقادات النابعة من تأثير كل تلك الخطوات المتُخذة أصلاً لحماية المجتمعات من مصابها الجلل.. وهنا، عبر هذا المنبر الحر أود أن ألتفت إلى بعض الجوانب التي ربما لم تحظى كفايتها من التعليق.

لقد تبين لنا ونحن نعايش الحجر الصحي بسبب جائحة “الكورونا” (كوفيد 19) وتوابعها بأننا كنا نحرم الأمهات من القيام بواجباتهن الأمومية بفرضنا عليهن التواجد الدائم في أماكن العمل دون الحاجة الضرورية لتواجدهن الفعلي في كثير من أماكن العمل.. واكتشفنا بأنهن يمكنهن القيام بكثير من المهام الوظيفة من بيوتهن بشكل فعال ودون نقصان في الأداء والعطاء.. فهل حان الأوان أن ننظر لعمل المرأة بشكل عام من منظور جديد يواكب القدرة على التواصل والإنجاز عبر الشبكات العنكبوتية ونعيد للمرأة دورها الأهم في بناء المجتمع والأسرة ورعاية الأبناء إلى جانب عطائها في المجالات الوظيفة سواء كانت تلك نتيجة لرغبتها أو لحاجتها المادية لمساندة أسرتها في عصر المتطلبات الحياتية الحديثة؟

فلكم أن تتخيلوا معي النسبة المئوية التي ستوفرها المجتمعات في كافة مناحي دورة الحياة اليومية في حال بقاء أغلب النساء في بيوتهن والعمل عن بعد عبر الوسائل التقنية الحديثة المتاحة.. فمثلاً، يمكننا توفير حوالي 50% من المكاتب في أماكن العمل، ومن الحجرات والطاولات والأدوات المكتبية والمباني ومواقف السيارات، بل وحتى من الطاقات المهدورة من التكييف والإضاءة وفواتير الهواتف واستهلاك المياه والمشروبات الأخرى.. كل هذا ومن دون الإضرار بعطائهن وواجباتهن الوظيفية الروتينية اليومية… في حين سنجد المرأة العاملة بشكل عام تقوم بواجباتها الأخرى نحو عائلتها وأبنائها إن كانت متزوجة وأم، بحيث سيكون عطائها مضاعفاً ودورها عظيماً في مجال الرعاية والحنان الذي ربما قضت سنوات طوال من حياتها العملية محرومة منها ومن حق أسرتها عليها.

تخيلوا معي كم سنوفر جميعاً من تخفيف زحمة الطرقات عند تقليص عدد السيارات كل صباح ومساء، وتوفير كميات الطاقة المهدرة من بنزين وتخفيض كميات التلوث بسبب عوادم السيارات، وعدد الحوادث والمخالفات والاختناقات المرورية، بل وحتى نسبة تخفيض الضغوط النفسية الناتجة عن القيادة اليومية لأماكن العمل والبحث عن المواقف عند أماكن العمل المزدحمة.. بل قد أتمادى قليلاً في تصور أن بقاء المرأة العاملة في منزلها سيؤدي بالضرورة إلى إنعاش الروح الأسرية وتنقية كثير من أجواء العلاقات التي ربما كانت تعانيها بسبب غياب المرأة عن بيتها طوال ساعات العمل، ومن ثم عودتها مرهقة، لتجد أنه متوقع منها الكثير في مجتمعاتنا التي لا تزال تطالب النساء بالقيام بواجباتها المنزلية دون نقصان، وفي أغلب الحالات دون تعاون مجدي من الأزواج، إلا في حالات نادرة!!

وطبعاً هذا الوضع ينطبق أيضاً على الكثير من المهام التي يؤديها الرجال، فكثير منهم يؤدون خدمات قد لا تحتاج بالضرورة التواجد الدائم في أماكن العمل… وبالطبع نتوقع ذات النتائج الإيجابية والتوفيرية التي طرحناها في شأن المرأة… لكنني أميل إلى صف الأمهات العاملات بشكل عام لأهمية دورهن العظيم في الدورة الحياتية والأسرية.

رغم أن تجربة العمل من المنزل صارت واقعاً في الظروف الراهنة، غير أن هنالك جوانب ربما لم تفلح الجهات المعنية في دراستها وتقييمها وممارستها بالشكل التام، حيث نجد بعض التخبط في تنفيذ التجربة بين جهة وأخرى.. فهنالك أفراد من النساء والرجال ممن قاموا بوظائفهم من منازلهم وعبر الشبكات العنكبوتية ووسائل التواصل الأخرى، غير أن هذه العملية قد تكون نتائجها عكسية في بعض الحالات.. فبعض ممن مارسوا هذه التجربة باتوا ينفرون الآن من فكرة انتهاء الحاجة للعمل عن بعد وفكرة العودة لأماكن العمل بدوام رسمي ويومي كالسابق.. وربما أيضاً أصاب نوع من الكسل والتكاسل الكثير منهم حتى أنهم باتوا يمارسون أدوارهم في أوقات غير مناسبة لتنفيذ مهامهم مما له أثر سلبي على تقديم بعض الخدمات في أوانها وبشكل يتناغم مع أقرانهم ممن يتواجدون في أماكن العمل كالمعتاد.. أي أنهم قد يكونون سبباً في ربكة ولخبطة في أداء الوظائف وتقديم الخدمات في سياقها المناسب.. أجل، إنها تجربة جديدة على الجميع، ومع كل جديد تنشأ معضلات جديدة لا بد من مواجهتها وتحليلها ودراستها وتقييمها على النحو الأمثل حتى تستقيم الأمور وتصبح ناجعة.

وفكرة الدراسة عن بعد أيضاً تبدو للوهلة الأولى في عصر الإنترنت جيدة وممكنة، ولكن هذه العملية وضعتنا نحن التربويين في خضم أزمة أخلاقية مقلقة.. فالشاهد من الوقائع أن الكثير من الطلبة في كافة المراحل الدراسية صاروا يستغلون الوضع بشكل سلبي وغير طبيعي.. فمثلاً، باتت الأمهات هن من تقمن بالواجبات الدراسية بدلاً من أطفالهن، من خلف شاشات التواصل.. بل وحتى الاختبارات والمهام الدراسية الأخرى صارت من صنع الأمهات وأحياناً من قبل أفراد الأسرة الأكبر سناً، حتى لم نعد نؤمن بأي من الواجبات الدراسية ولا العملية التعليمية بشكل عام!

والغريب في الأمر فرح الأهل بالنتائج المتحصل عليها وهي نتاج للغش والدلس وسوء الاستغلال.. فهل نثق بعد كل هذا في جيل كامل من الأبناء ممن لم يتعلموا بحق ولم تعد نتائجهم الدراسية وتحصيلهم العلمي تعكس الواقع؟ ربما المنفعة الأهم من العمل والدراسة عن بعد هي حماية المجتمع من ويلات وباء الجائحة “المقيتة”، وربما عمل المرأة عن بعد جعلها متواجدة مع أفراد أسرتها وبالأخص مع الصغار، وربما هنالك أمور إيجابية شتى كما أسلفنا، غير أن هنالك ممارسات غير صحية كثيرة قد تنتج من رحم هذه التجربة الجديدة على مجتمعاتنا التقليدية التي تفتقر للوعي السليم والمسئولية المتوقعة من مثل هذه الممارسات الحضارية في عالم الانفتاح الحضاري الراقي.

أجل، أنا مع الاحتكام لاستغلال الوسائط المتوفرة للتعلم عن بعد والعمل عبر شبكات التواصل المتوفرة من حيث المبدأ، لكنني أتوجس كثيراً عند النظر لبعض المخرجات السلبية النابعة من افتقار مجتمعاتنا لمستوى الوعي الحضاري المناسب للتعامل الأنسب مع هكذا تدابير.. ربما مثل هذه الإجراءات هي ضرورية لحماية المجتمعات من تفشي الأوبئة، ولكن سوء التعامل وعدم الالتزام الفعلي من قبل بعض الأفراد قد يؤديان لخلق الكثير من المشاكل الأخرى والنتائج العكسية والسلبية نتيجة لعدم الاستيعاب السليم لحاجتنا لمثل هذه الإجراءات الضرورية في غياب بدائل أخرى جاهزة ومدروسة… ربما سيعلق البعض بأن العالم أجمع من شرقه إلى غربه لم يكن جاهزاً، وهذا واقع تكّشَف لنا دون مواربة، رغم أن العالم قد مر وعاني مراراً من تفشي الجوائح المميتة سابقاً… فالجوائح كما الحروب، ويلات تكشف لنا أن البشرية لا تتعلم من تاريخها ومصائبها كما نتوقع ونرجو… فهل ستتعلم الأجيال اللاحقة من تجاربنا اليوم وكوارثنا المتوالية عبر التاريخ ولا تنتظر وقوع الفأس بالرأس حتى تتخذ من الإجراءات قبل وقوع الشدائد؟ والأدهى حينما تكشف لنا الوقائع أن أغلب هذه الكوارث هي في الأساس من صنع البشر!!

د. محمد العباسي

أكاديمي من البحرين.. دكتوراة في سيكولوجية تعلم اللغات.. أكثر من 30 سنة في إدارة وتعليم اللغة الإنجليزية في كليات وجامعات في البحرين والكويت.. درست وعشت سنوات الدراسة و العمل في قطر والكويت وكاليفورنيا ولانكستر في إنجلترا وكارديف في ويلز.. متقاعد، وأكتب مقالات في كافة المجالات التربوية واللغوية والاجتماعية والسيكولوجية والفلسفية والسياسية، إلخ. وأيضاً لي مشاركات أدبية و مطبوعات شعرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى