أسلوب حياة

العمل والإنجاز

قد ينتظر منا البعض أن نبين الفرق بين العمل والإنجاز، لكن قبل ذلك يجدر بنا أن نعرّف كل واحد منهما؛ فالعمل إذن هو القيام بشغل ما في وقت معين، وهذا الشغل قد يكون شيئًا جديدًا وقد يكون شيئًا روتينيًا سبق للآخرين أن ارتكبوه، فالأكل عمل والكتابة عمل والمشي عمل لانها كلها أشغال تم إنجازها، أما الإنجاز فهو عمل شيء لم يحدث سابقًا، وهذا هو الفرق الذي يكمن بين العمل والإنجاز.

لكننا الآن لا نبحث عن الفرق بين العمل والإنجاز فقط، بل سنتحدث عن العمل والإنجاز في حد ذاتهما وعما يجب اتباعه عن الرؤية التي يفترض أن تكون لدى كل شخص منا إن أردنا فعلًا أن نحقق مجتمعًا متطورًا، فيجدر بنا طرح السؤال الآتي: كيف السبيل لتحقيق الإنجاز في ظل العمل والرؤية والأهداف التي يصدرها الذهن؟

إن الجسر الواصل بين الحلم والإنجاز هو العلم، وهذا العلم يجب أن يكون قابلًا للتنفيذ، هذا التنفيذ هو العمل، فالعمل غير كاف للتقدم وإنما هو يحافظ فقط على الاستمرارية؛ استمرارية نفس الروتين، استمرارية الحياة اليومية بشكل عادي جدًا، فالكثير ممن يشعر بالملل في عمل أو في المدرسة أو في الحياة العامة بشكل إجمالي فمرده إلى ذلك الشغل الذي يقوم به بنفس الطريقة ونفس النمط والمزاج ولا يفكر في تغيير هذا النمط الذي يخلق علاقة العداوة بينه وبين العمل، ويجعل هوة بينه و بين العمل. فلماذا يميل الإنسان إلى الشهوات والغرائز وإلى الأشياء التي نظنها تنفعنا ويجب أن نعمل فيها لوقت طويل، لكن عندما نرجع إلى العمل بجدية نجد أنفسنا لا نستطيع المواصلة بشكل مستمر؟! هذا راجع ببساطة إلى كون هذا العمل يفتقر إلى الوضعية المشكلة التي تجعلنا أمام شيء جديد نتابعه ونواصله بلا كلل ولا ملل. إن ما يجعل العلماء مستمرين بلا توقف في المجال العلمي هو كونهم يكتشفون كل يوم وكل لحظة شيئًا جديدًا غير مسبوق في ما يدرسون، والأمر نفسه بالنسبة للباحثين والمهندسين ورجال الأعمال الحرة ورواد المشاريع المستقبلية، فأعمالهم ليست بالسهلة وإنما لم يحافظوا على نفس النمط كي لا يحدث فرقًا شاسعًا بينهم وبين حبهم لعملهم. وبرجوعنا إلى الموظفين على سبيل المثال نجدهم من أكثر الناس الذين يملّون من عملهم نتيجة تكرار نفس طريقة العمل دون خلق أي جديد.

إن الأمة لا تفتقر إلى العلماء والباحثين عن شيء جديد كل يوم، وإنما تفتقر إلى شيء أكبر من ذلك وهو أن تكون هي في حد ذاتها تفكر كل يوم في شيء جديد وتبدع، وذلك ناتج عن كونهم يفتقرون إلى ملكة الإبداع وإلى كونهم غير قادرين على الخيال وعلى تصور ما هو مستقبلي ووضع أهداف قابلة للتنفيذ له.

إن الإنجاز يتطلب ثلاثة أشياء مهمة أولها التخيل والحلم، فمعظم المشاريع الكبرى التي يشهدها العالم اليوم لم تكن سوى مجرد أحلام من قبل ثم بعد ذلك عمل العلماء على تنفيذ هذا الحلم، وهذا الحلم لا يُنفذ إلا عن طريق العلم القابل للتنفيذ، وهو ثاني مرحلة ضمن المراحل الأساسية الثلاثة للوصول إلى الإنجاز، فبواسطة العلم نخلق قوانين كونية جديدة قابلة للتنفيذ مترابطة فيما بينها تستطيع أن تخلق لنا قانونًا جديدًا يوجد في الكون في حد ذاته، والذي يخول لنا أن نعمل على تحقيق الفرضية التي وضعناها سابقًا. بعد ذلك تأتي المرحلة الثالثة وهي أبسط مرحلة.. مرحلة الإنجاز، فمرحلة الإنجاز ما هي إلا تحصيل الحاصل، وهي الوصول إلى الهدف بعد تحقيقه عن طريق العلم والعمل بدءًا بالحل وانتهاءًا بالوصول إلى ما لم ينجز أحد سابقًا، فهذا هو الإنجاز بمفهومه الحقيقي.

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .
زر الذهاب إلى الأعلى