سياسة و تاريخ

العملية السياسية في العراق.. بين مطرقة الأحزاب وسندان الشعب

العملية السياسية في العراق

منذ الأول من تشرين العام الماضي شهدت العملية السياسية في العراق خروج أصوات مطالبة بالإصلاحات وتوفير الوظائف والخدمات، وبعدها أصبح المطلب هو (نازل آخذ حقي) شعار أطلقه الناشطين وتجاوب معه جميع شرائح المجتمع العراقي لما يشعر به المواطن العراقي من ظلم وسلب للحقوق ومصادرة جميع إمكانات البلد وحرمان أبناءه من العيش الكريم في بلد كريم وهو يشاهد كيف تزداد الطبقة السياسية غنى ونفوذ وكيف يزداد وضعه فقراً وبطالة.

العملية السياسية في العراق

 

أيام وتحول هذا المطلب إلى (نريد وطن) تعبيراً عن مطالبتهم بوطن كريم يتيح حرية العيش لأبنائه. من جانبها قامت السلطات الحكومية بحملات قمع وقتل واعتقال وتعذيب طالت الكثير من الشباب المتظاهر وكانت الأحزاب المسلحة هي التي تقود هذه العمليات ضد المتظاهرين كونها تمس سيطرة وهيمنة هذه الأحزاب على مقدرات البلد بالكامل ومثل هذه التظاهرات تشكل تهديدًا مباشرًا لهم ولتواجدهم في السلطة.

شهدنا خلال تلك الفترة وحتى اليوم جميع أنواع الانتهاكات لحقوق الانسان وكذلك محاربة حق التعبير عن الرأي، وعود حكومية كاذبة لم تبصر النور أدت إلى تزايد الغضب الشعبي حتى بعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي الذي يراه الكثيرون بأنه وراء ما آلت إليه الأمور وتواطئه مع الأحزاب والمليشيات المدعومة من الخارج على حساب سلطة الدولة وحقوق الشعب.

شهدت العملية السياسية في العراق خلال الثمان أشهر الأخيرة منعطفات تاريخية وأخرى حرجه، فبعد استقالة عبد المهدي ذهبت العملية السياسية في العراق إلى محاور متعدده منها صعوبة اتخاذ قرار إجماع يتفق عليه أحزاب السلطة مما أدى إلى ترشيح عدد من الأسماء لشغل منصب رئيسًا للحكومة قوبلت هذه الأسماء بالرفض من قبل الشارع وأخرى من قبل الأحزاب.

انقسامات ومناحرات واستمرار عمليات التصفية التي طالت وتطول الكثير من الناشطين وكذلك التصفيات السياسية لبعض الكتل والانقسامات كانت نتيجتها ولادة حكومة مصطفى الكاظمي التي لم تكمل بعد جميع وزاراتها وأهمها النفط والخارجية وذلك بسبب صراع الأحزاب والكتل حول أحقية هذه الحقائب.

يواجه الكاظمي اليوم تحديات جمة، كيفية وآلية الموازنة بين مطالب المتظاهرين ونفوذ الأحزاب. هو مطالب أن يرضي الطرفين النقيضين، فالشعب يريد محاكمة الأحزاب والجهات المسؤولة عن قتل المتظاهرين وحيتان الفساد، والتي هي نفسها الجهات المسؤولة عن اختياره لمنصب رئيس الوزراء! ولم تصدر هذه المطالب من قبل المتظاهرين فحسب، إنما هناك بعض الأحزاب السياسية التي طالبت أيضًا بمحاسبة من تسبب بهذه الجرائم بحق المتظاهرين وأبرزها ائتلاف النصر بزعامة حيدر العبادي.

والجدير بالذكر أن رئيس ائتلاف النصر في البرلمان هو المكلف السابق لتشكيل الحكومة عدنان الزرفي، والذي اعتذر عن الاستمرار والذهاب إلى قبة البرلمان ليتم التصويت على كابينته بعد أن حدثت انقسامات سياسية واضطرابات وأصوات الرفض الكثيرة من قبل الأحزاب والكتل التي كانت تراه مصدر تهديد بسبب الوعود التي أطلقها وأهمها محاسبة المتورطين بتلك الجرائم وكذلك توجه الزرفي بتصحيح العملية السياسية من خلال منع الأحزاب التي تمتلك فصائل مسلحة من المشاركة في الانتخابات وحصر السلاح بيد الدولة، وموقفه الواضح حول الصراع الإيراني الأمريكي على الساحة العراقية ورفضه زج العراق بحروب النيابه وانتقاده لما يسمى المقاومة الإسلامية التي تعتبر امتداد إيراني يهدد الأمن والاستقرار في العراق.

جاءت حكومة الكاظمي بعد الضغط الجماهيري الكبير وإسقاطهم حكومة عادل عبد المهدي وهو ممتن لهم كونهم السبب الرئيس في توليه منصب رئيس وزراء العراق، وفي الوقت ذاته هو ممتن لهذه الأحزاب والجهات المتهمة بتصفية وقتل المتظاهرين لمنحه الثقة ووضعه على رأس الحكومة العراقية.

الكاظمي يريد أن يرضي الشارع العراقي والاستماع لمطالبهم ولكن في نفس الوقت الكاظمي يعجز عن محاسبة حكومة عبد المهدي والجهات المتورطة بقتل الشباب العراقيين، هنا يكمن التحدي الأكبر وما يتعرض له من حملات تسقيطية تروج لها بعض الجماعات الخارجة عن سيطرة الأحزاب العراقية المعروفة والتي ترتبط مباشراةً بإيران ولا ولاء يعلوا فوق ولائها لإيران، وحملات أخرى تؤيد وتروج للكاظمي ومن ضمنها الأحزاب تريد اليوم تهدئة الشارع وامتصاص الغضب الشعبي وترضى بخسارة القليل من مكاسبها من أجل ديمومة المكاسب ووجودها على رأس السلطة في العراق والتحكم في مقدراته وأمواله.

تأييد دولي لحكومة الكاظمي ومراقبة حذره في نفس الوقت. يريد المجتمع الدولي للعراق أن يكون خارج إطار سيطرة إيران التي بدورها تعتبره الورقة الرابحة في طاولة المفاوضات مع أمريكا التي بدورها أعلنت مباركتها لحكومة الكاظمي كما فعلت إيران!

المشهد العراقي اليوم معقد وغير واضح ولا يوجد أي شخص يدعي فهمه ودرايته الكاملة لما يدور على الساحة وذلك بسبب تعددية الآراء والمطالب والانقسامات.

صيف حار على الكاظمي يبدأ مع بداية مشاكل خدمة الكهرباء والماء (المشكلة اللامتناهية)، قطاع الكهرباء وحده كلف العراق أكثر من 40 مليار دولار على مدى السنوات السابقة ولم يحقق استقرار أو خدمة ترضي المواطن العراقي الذي بدأ يعاني من الانقطاعات المتكررة كالعادة في فصل الصيف، والتي سوف تؤدي إلى تزايد سخط الشارع وغضب على حكومة الكاظمي حتى ولو كانت حديثة وغير مكتملة مما سوف يزيد العبء على الكاظمي فالشعب يريد أن يلتمس التغيير عاجلاً ليس أجلاً، وحجم التحديات كبير.

سياسة العراق

تحديات كثيرة أمام الكاظمي ومن أهمها تحديد موعد الانتخابات القادمة وفرض هيبة الدولة وحصر السلاح المنفلت وتوفير الخدمات ومواجهة حكيمة للوضع الصحي والاقتصادي في ظل الانخفاض الكبير في أسعار النفط والذي يعتبر عامود الاقتصاد العراقي ومصدره الوحيد. كثيرة هي القرارات التي ترضي الشارع وتغضب الأحزاب، وقرارات تريح الأحزاب وتلهب الشارع. ويبقى السؤال اليوم:
“أي الكفتين سترجح! كفة الأحزاب أم كفة المتظاهرين؟ وفي أي الفريقين سوف يلعب الكاظمي؟”

قد يهمك أيضًا : كورونا كشف المستور: الاتحاد الأوروبي عجوز هش تآكلت مفاصله

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

حمزة الحردان

شاب ومهندس نفطي عراقي ملم بالسياسة والأقتصاد وتطوير المجتمع. أحلم بعراق آمن، مستقر، مستقل

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق