سياسة وتاريخ

العلم والحضارة.. أيهما ينتصر؟

العلم قد يصل بالإنسان إلى حد الغطرسة واللامبالاة، فيسقط الإنسان صريع الأزمات، أما الحضارة فحاكمة، إذ الحضارة تمثل مجموعة القيم والأخلاق والمباديء التي يعيش الإنسان في ظلها، والتي تكمن داخله فتظهر وقت الشدائد.

أوروبا أهل علم، حدثنا التاريخ بسقوطهم كما حدثنا التاريخ بنهضتهم، وكم من مرة خربت هذه القارة العجوز، ولكن سرعان ما تهب من كبوتها وتعود إلى سيرتها الأولى، إذ هي تعتمد في المقام الأول على عقول أبنائها الذين نبغوا في كل فن وعلم.

إن أوروبا صنعت إنساناً يبني ما خرب، ويقوم ما اعوج، وحين دمرت أوروبا في الحرب العالمية الثانية، لم تكن مشكلتهم في كيف يقومون، بل كانت مشكلتهم فيما ينتهجون، ولذا حرص كل من المعسكرين الغربي والشرقي على اجتذاب أوروبا إليه، ومن هنا انقسمت أوروبا إلى كتلتين متعاديتين.

وحتى هذا الانقسام الأوروبي علم الأوربيون بخطورته، فعملوا على إزاحة أسباب الانقسام والشقاق، حتى رأينا بلدانهم يرفرف فوقها لواء واحد وعلم واحد، تراصت تحته عدة رايات.

وهذا الوباء الذي اجتاح أوروبا، والذي بشكل أو بآخر سيؤثر على اقتصادها ومكانتها السياسية وتأثيرها السياسي العالمي، غير أن أكبر الظن أن كل هذه التبعات لا تشغل بال الأوروبي، وذلك لأنه يملك العقل والعلم الذي يعيد به بناء نفسه ليخرج للعالم من جديد.

ولكن ستظل كبوتهم وصمة تضاف إلى وصماتهم، وسيذكر التاريخ أن بناءهم ليس صلباً، فلا يقف كثيراً ولا قليلاً أمام الريح والأعاصير، بل أي هزة فقد تكون كفيلة بإسقاطهم.

وعلى الجانب الآخر من هذا العالم سنرى الشرق الأوسط، وقد قتله الجهل والمرض والتخلف، سنراه يواجه الأزمات بشكل مختلف، إنه يواجه الأزمات بحضارة الألف عام التي شكلت وجدانه وكمنت داخله، فإذا أطلت برأسها عليه، استحث في نفسه كل مخزون أخلاقي ليتعامل به مع تيكم الأزمات.

ولعلنا إذا نظرنا إلى أزمة كورونا ووبائها، سنرى أن الدول العربية من أول يوم قد استشعرت الخطر، وعملت على تفاديه، وأخذت من الاحتياطات ما يوقف من تسارع الأزمة ويحد من تفشي الوباء، وذلك علماً منها أنها لا تملك رفاهية التكاسل واللامبالاة.

وإذا كنا ننظر بعين من النقد أو التشاؤم أو التشكيك أحياناً في مجهودات الحكومات العربية، إلا أنني ألمس عن كثب مدى اهتمام الحكومات بأبنائها وحرصها على حياتهم.

جانبا آخر رأيناه ظاهرًا في هذا التكاتف الشعبي بين أبناء البلد الواحد لتقديم المساعدات الطبية والعينية والمادية والغذائية.

إن كل ذلك ليس نابعًا عن علم، وإنما هي الأخلاق الكامنة في تلك النفوس والشعوب، والتي تظهر وقت الأزمات، ولعل نظرة إلى التاريخ لتبين أننا واجهنا كل أعدائنا، ليس بقوتنا ولكن بعزيمتنا.

نعم سيمر الوباء وينتهي، ويوماً ما سيذهب عن عالمنا، ولكن سيمر على بلادنا وهم أبناء أحرار تكاتفوا وتعاونوا في مواجهة أعتى الأزمات.

وأما هؤلاء الذين استغلوا حاجات الناس وأزمتهم للمكاسب الشخصية، فما أشبههم بالضباع التي لا تعيش إلا على الجيف.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

سعيد عبدالخالق طه

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر عضو المركز الإسلامي المصري بتزانيا أؤمن أن لشريعتنا الإسلامية فلسفة لا بد أن تدرك نقدم رؤية لا أكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى