ثقافة وفنون

العلمانية والدين في فكر يورغن هابرماس

نبذة عن هابرماس

يعتبر هابرماس (1929م- 2007م) أحد أبرز فلاسفة مدرسة فرانكفورت المتأخرين، ويعتبر هابرماس من أشد المدافعين -فلسفياً- عن حرية الفرد ضد أي هيمنة وتأثير مؤسسي خارجي، تكونت فلسفة هابرماس بعد قراءته العميقة لعدد من الفلاسفة المؤثرين على مدرسة فرانكفورت ومن أهمهم كانط وهيجل وماركس.

وما يميز فكر هابرماس لدى المهتمين به هو ربطه الدائم بين النظرية والممارسة، لا سيما الممارسة السياسة التي انخرط هو بنفسه فيها، وكذلك نظريته النقدية التي تعتبر تطويراً لنظرية مدرسة فرانكفورت النقدية فيما يخص الآثار السلبية للرأسمالية على الإنسان، والبحث في كيفية وصول الطبقات البرجوازية لهذه المرحلة من القدرة على استغلال الناس والطبيعة والذي أدى لأزمة الحداثة.

وهذه الآثار السلبية للرأسمالية تعتبرها مدرسة فرانكفورت نتيجة للفلسفة العلموية والوضعية، والتي صارت مبرراً لظهور الرأسمالية بضبط عقلاني يبرر زيادة مردود رأس المال، ولذلك فهو يعيد التفكير ويفرق بين العقل الأداتي الفردي والعقل التواصلي الجمعي، فكان كتابه (The Theory of Communicative Action) عام 1981م يضع معالم التجديد لدور العقل التواصلي في النظرية النقدية، وهذا العقل التواصلي هو الوحيد القادر على إحياء دور التفاعل الجماعي والمجتمعي للوصول لحوار متمدن يجنب المجتمعات العنف الداخلي.

ومن مميزات فكر هابرماس أيضاً نظريته في الفضاء العمومي، وهي من ابتكارات الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، والتي يعتبرها هابرماس من أساس العمل الديموقراطي.

إذاً تتمحور فلسفة هابرماس حول ثلاث خطوط عريضة:

  • الربط الدائم بين النظرية والممارسة.
  • النظرية النقدية في تأسيس فلسفة اجتماعية، ونقد العقل الأداتي، والدفاع عن الحداثة بأنها لم تكتمل معالمها.
  • النظرية التواصلية في الإجماع داخل المجتمع الديمقراطي من خلال استخدام الفضاء العمومي للبرهنة عبر أخلاقيات النقاش[1].

العلمانية والدين عند هابرماس

تعالت في القرن التاسع عشر الأصوات المنادية بإقصاء الدين عن المجال السياسي والاجتماعي العام، وإبعاد التفسيرات الميتافيزيقية للوجود لصالح العلوم الطبيعية، ولكن كان للفيلسوف الشهير هابرماس رأي آخر ينصف الدين ويعتبره لاعباً أساسياً في الحياة العامة.

تقوم أطروحة هابرماس على الإجابة على سؤال أساسي؛ وهو كيفية توظيف الحداثة لتأطير كلاً من العلم والدين، وهو يرفض القطيعة مع التاريخ والدين الذي ينادي به التيار العلماني، وفي نفس الوقت يرفض اتجاه التيار الديني المنادي بالقطيعة مع الحداثة.

ويدعوا هابرماس للاحترام المتبادل والبعد عن الإقصائية بين المتدينين والعلمانيين، وتكريس التسامح بين التيارات المختلفة داخل المجتمع، والغاية من كل ذلك هو الوصول إلى مجتمع (ما بعد العلمانية) القائم على تنازلات مشتركة بين الطرفين، كحتمية زوال الدين عند العلمانيين، وتعميق الخلاف الطائفي والفكري لدى المتدينين، فعلى العلمانية الاعتراف بمرجعية الدين في كثير من مبادئها القانونية كالعدل والمساواة والحرية، وعلى الدين الاعتراف بسلطة العلوم، ودستورية الدولة والديموقراطية في المجال العام لإدارة الاختلاف[2].

ويلفت هابرماس النظر إلى الخطر الذي يهدد المجتمعات الديموقراطية والمتمثل في النزعات الفردية، وضعف القيم المتمثلة في التضامن الاجتماعي والمعطلة للاندماج السياسي، وهذه الأزمة نتج عنها ظهور نقد حاد لمرحلة الحداثة من فلاسفة ما بعد الحداثة، بدى معه أن الدين هو البديل الوحيد لمرحلة الحداثة، وهو ما لا يتفق معه هابرماس كذلك.

فدعوته مرتكزة إلى أهمية ممارسة العلمانية والدين للنقد الذاتي، فيجب على العلمانية الاعتراف بالأصول الدينية لكثير من مفاهيمها، وإعطاء الجماعات الدينية الحرية، والاعتراف بحقوقها ومصالحها في تكوين المجتمع، وعلى المتدينين الابتعاد عن الدوغمائية ومحاولات الاحتكار لتفسير الوجود، والتخلي عن السلطة لأهمية حياديتها تطبيقاً للحريات العقائدية والفكرية.

وبالنسبة لموضوع العلم والدين، فدعى هابرماس العلوم الطبيعية للاعتراف بإستمولوجية الاعتقادات الدينية، فإذا كان العلم الطبيعي قد استفاد من الفرضيات النظرية في معطياته وبناء استنتاجاته، فيحق للتفسير الديني للعالم والآخرة أن تكون له مكانة عند المواطن كذلك، وهكذا يؤكد هابرماس على ضرورة التعددية والحوار في مجتمعات (ما بعد العلمانية)[3].

يعترف هابرماس بإمكانية التعلم المتبادل بين الفلسفة والدين، وقد استقرِئ من فكره أنه طالما لم يستطع العقل القضاء على الدين في فضاء علمانية اليوم، فالاستفادة من الوحي أولى من حربه، وبإقراره هذا، لا يهدف هابرماس بتاتاً لإذابة الحواجز بين الدين والعقل، بل يؤيد إبقاء الفواصل المميزة لكل منهما.

وتتضح رسالة هابرماس الجلية في هذا الإطار بضرورة إطلاق الدولة الحريات للديانات والثقافات المختلفة في مجال خاص لا يهيمن على المجال العام، وهو ما أطلق عليه الوعي الما بعد علماني للمجتمع[4].

يطرح هابرماس أسئلة هامة في بداية أطروحته عن مرجعية الدولة ومعياريتها بين التنويريين والمتدينين، وهل يمكن إيجاد خلفية معيارية موحدة لأنماط الحياة المجتمعية المختلفة داخل الدولة، ومن ثم يقترح أن تُفهم اللائكية (العلمانية) الثقافية والمجتمعية كآلية تعلم مزدوجة يحتاج إليها كل من أتباع الأديان والتنويريين على حد سواء، والسؤال الثاني هو هل تستطيع الدولة الليبرالية في المجتمعات ما بعد اللائكية أن تضع تصورات عقلية لمواطنيها المؤمنين بدين وغيرهم؟[5]

وللإجابة على هذه الأسئلة يتطرق هابرماس لعدة محاور، منها أن بناء الأخلاق والحقائق قد يكون مصدره الوحي، ومن الممكن كذلك بناء أخلاق وحقوق خارج إطار الوحي، وعليه فإن أسس شرعية الدولة ذات المنظور المحايد لأصل العالم استقت من مصادر دنيوية غير دينية، وبالتحديد من فلسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر.

ويؤكد هابرماس أن شرعية الدستور في الدولة الليبرالية الديموقراطية تُستمد من العقلية المستقلة عن أي بعد ديني ميتافيزيقي، وهذا لا يعني إهمال الجانب الأخلاقي في الحياة العامة، بل لا بد للمواطن من فهم المضمون الأخلاقي للمبادئ الدستورية وتطبيقها[6].

الدين في الفضاء العمومي عند هابرماس

تختلف العمومية (Public) عن العام (General)، والمقصود في نظرية هابرماس هو الأول، فدور الدين في الفضاء العمومي عند هابرماس مر بثلاث مراحل:

  • مرحلة القطيعة بين الدين والحياة العمومية، وتعويض الدين بالعقلانية العلمانية في الحياة الاجتماعية، وهذه المرحلة كانت في بداية كتاباته.
  • المرحلة الثانية تمثلت في تحليله لإمكانية إختفاء الدين، فينتهي في هذه المرحلة بأن الدين يسد حاجات فردية، ولكن الدين ما يزال فاقدًا للعب دور عمومي اجتماعي فعال.
  • المرحلة الأخيرة وكانت في نهاية التسعينيات من القرن الماضي، وهذه المرحلة انفتح فيها على الدور العمومي للدين[7].

خلُصَ هابرماس إلى أن الفصل بين المجال العام والخاص لم يظهر إلا مؤخراً، عندما تشكلت الطبقة البرجوازية عبر الرأسمالية التي نشأت في داخل الأنظمة الإقطاعية، ويشدد على أن هناك تعارض بين الفضاء العمومي والدولة التي دائماً ما تحاول أن تفرض سيطرتها على وسائل الإعلام وتوجيه الرأي العام عبر القانون والإعلام، بعكس الفضاء العمومي الذي يحاول التحرر من آليات الهيمنة عليه معتمداً على العقل فقط، لينشئ رأيًا عامًا يعكس حاجات المجتمع للدولة.

وعليه فإن الفضاء العمومي يحوي السلطة الرسمية بأجهزتها ومؤسساتها القانونية التي تضمن الاستقرار، فإن هناك كذلك السلطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية غير الرسمية، ولكنها تستمد قوتها من مطالب المواطن، ولذلك يؤكد على أهمية التوازن بين هذه السلطات حتى لا يتهدد الاستقرار السياسي والمجتمعي، ويؤكد هابرماس أن التفاعل الاجتماعي تتدخل فيه ثلاث مؤثرات أساسية؛ وهي المال في المجال الاقتصادي، والسلطة كأداة للدولة والسياسيين، والفعل التواصلي كآلية للمجتمع المدني الفعال في الحياة العمومية[8].

فالفضاء العمومي هو مجال اللقاء بين المواطنين بمصالحهم المختلفة والمتنوعة لوضع رؤية مشتركة والتقدم بها ضمن هذا الفضاء للسلطة الموحدة، فهو مكان الحوار العقلاني وتكوين الرأي العام والذي بدوره -أي الرأي العام- يصير وسيلة السلطة لمعرفة مطالب المواطن، ويواجه هذا الفضاء تحديات جديدة في عصرنا الراهن بما تهيمن عليه من قوة وسائل الإعلام والدعاية والاتصال واستطلاعات الرأي.

ومن الضروري فهم أن الفضاء العمومي لدى هابرماس لا يتكون بفعل فاعل أو إرادة متعمدة، وإنما ينمو عبر صيرورة زمانية تتبلور فيها المفاهيم والقيم المشتركة واحترام التعددية، ففي هذا الفضاء يتخلى المواطن عن مصالحه الحزبية والعشائرية والأسرية، ليفكر حقيقة فيما هو مصلحة للمواطن عامة عبر حوار بعيد عن العنف بكل أنواعه، لتكون السلطة للمواطن العادي بدلاً من القوى الموجهة[9].

نقد فلسفة هابرماس

تعرضت فلسفة هابرماس للنقد من قبل عدد من المفكرين؛ منهم نانسي فريزر والتي دعت لتجاوز الفضاء العمومي الليبرالي البرجوازي والاشتراكي المتمثل في الدولة المعاصرة، إلى فضاء عمومي كوني.

وأوضحت فريزر أن فرضية هابرماس حول الفضاء العمومي بنيت على أسس كلها تتعلق بوجود دولة وطنية تمتلك جهازًا إداريًا سياديًا واقتصاديًا ومنظم قانونياً، ولغة مشتركة، وأدب يثبت الهوية، ومؤسسة إعلامية وطنية، وبذلك فإن نظريته محدودة بالدولة الوطنية ولا تمتلك القدرة لاحتواء الأمم عالمياً في ظل تنامي العولمة، فنحن بحاجة إلى مقاربة معيارية نظرية ضمن الإمكانات السياسية الواقعية لتأسيس فضاء عمومي عالمي متعدد الأعراق واللغات والمصالح[10].

المراجع

[1] – مصدق، حسن، (يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت- النظرية النقدية التواصلية)، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، المغرب، 2005م.

  • العلوي، رشيد، (الفضاء العمومي من هابرماس إلى نانسي فريزر)، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، المغرب، دون تاريخ.

[2] ياسين حمزة، (قراءة في كتاب جدلية العلمنة لهابرماس وراتسنغر)، صحيفة التقرير الإلكترونية، الخميس 8 يناير 2015م.

[3] السابق.

[4] السابق.

[5] السابق.

[6] هابرماس وراتسنغر، (جدلية العلمنة: العقل والدين)، تعريب وتقديم حميد لشهب، جداول للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2013م.

[7] ولد أباه السيد، (الدين والمجال العمومي)، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، محاضرة منشور على اليوتيوب.  https://www.youtube.com/watch?v=OIZ-2txagkg

[8] العلوي رشيد، (الفضاء العمومي من هابرماس إلى نانسي فريزر)، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، دون تاريخ.

[9] مصدق حسن، (يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت- النظرية النقدية التواصلية)، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، المغرب، 2005م.

[10] العلوي رشيد، (الفضاء العمومي من هابرماس إلى نانسي فريزر)، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، دون تاريخ.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Anwar Mohamed

أنور ياسين محمد - كاتب مقيم بأستراليا- للمراسلة: [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق