ثقافة وفنون

العقل المقدس.. هل يستطيع بمفرده أن يوصلك للحق والحقيقة؟

كتب الفيلسوف بن طفيل قصة فلسفية بعنوان (حي بن يقظان) وكان يقصد من كتابة هذه القصة أن يشرح للقارئ طبيعة العقل البشري، وقد تخيل بن طفيل فيها انسانا ولد وترعرع في جزيرة منعزلة حيث أرضعته ظبية وظل ينمو في تلك الجزيرة وحيداً حى بلغ مبلغ الرجال.
يقول بن طفيل: إن عقل هذا الإنسان أخذ ينمو بنمو بدنه حتى تم نضوجه في تلك الجزيرة واستطاع أن يفكر ويستنتج حتى توصل بتفكيره المجرد إلى كثير من الحقائق الكونية التي توصل إليها الفلاسفة العظام من قبل.
يريد ابن طفيل بهذا أن يبين للقارئ أن العقل البشري جهاز فطري وأنه ينمو من تلقاء نفسه فلا حاجة به إلى التدريس والتدريب.

تقدس العقل على مدار قرون منذ عصر الفلاسفة -أرسطو وأفلاطون وغيرهم- واعتبروا أنه هو من يستطيع بمفرده أن يوصلك للحق والحقيقة، وهذا طبعا مخالف للواقع فالعقل هو الأداة التي  تساعدك على الإبداع وابتكار الوسائل لمساعدتك على البقاء والحماية من تقلبات الحياة يساعدك على التمييز بين ما هو خير وشر
لأنه يوجد بعض العوامل التي تتحكم في العقل وتجعله عاجزعن التفكير بعقلانية ومنها أذكر على سبيل المثال:

  • التراثية: وهذه تظهر بصورة كبيرة جدا في المجتمعات المنعزلة هو تقديس ماورثوه عن ابائهم وأجدادهم حتى لو كانت خطأ فالشخص التراثي لا يستطيع التفكير فيما يخالف ما ورثه، فلو جئنا بجميع الأدلة والبراهين على مايثبت خطأ معتقده لن يقتنع إلا إذا جرد تفكيره من هذه التراثية وهذا قليل جدا إلا ما رحم ربي
    وهذا ما أكدعليه القران ((بل قالو إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثرهم مهتدون)) سورة الزخرف
    واستنكر القران في غير موضع هذا الفعل ونذكر على سبيل المثال لا على سبيل الحصر يقول الله عز وجل ((وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالو بل نتبع ما ألفينا عليه ءاباءنا أو لو كان ءاباءهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون)) سورة البقرة
    ومن الأدلة الواقعية والغريبة على هذا أنه من عادات قبائل الإسكيمو إذا نزل عندهم ضيف فلابد أن ينام هذا الضيف مع زوجة صاحب البيت وقد يغضب صاحب البيت إذا رفض الضيف ذلك الطلب ويعتبرها إهانة!!!!!!
    عندما نسمع هذا نعتبر هذا الفعل غير معقول ولا يمكن أن يحدث لكن عندهم هذا شئ طبيعي ومعقول بل العكس عندهم هو الغير معقول
    ونحن لا ندري إذا نشأنا هناك هل كنا سنكون مثلهم أم لا؟!! فنستنتج أن التراثية تجل الإنسان متحيز في تفكيره لكل ما هو نشأ وتربى عليه ويعتبره هو الحق وما يخالفه هو الباطل وهي تظل مسيطرة على تفكير الإنسان ما دام قابعا في مجتمعه المحلى لا يفارقه، لكن بمجرد السفر والقراءة والإختلاط بالأخرين تبدأالتراثية بالزوال ولذلك يحثنا الله عز وجل في القران في أكثر من موضع على السير في الأرض وعلى التعلم والقراءة فيقول الله عز وجل على سبيل المثال لا على سبيل الحصر ((قل سيرو في الأرض )) ((أو لم يسيرو في الأرض )) ((هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها)) وقال الله عز وجل وهو أول ما نزل من القران ((إقرأ باسم ربك الذي خلق))
  • العاطفة: وللأسف معظمنا يندفع بتفكيره تجاه العاطفة إلا ما رحم ربي فمثلا عندما تحب شخصا معينا فأنت لا ترى فيه عيوب وترى أنه لا يخطئ، وكما يقول المثل الدارج عندنا في مصر (الحب أعمى) وهذا يجعلك لا تفكر في فيما يقوله هذا الرجل، ويظهرهذا جليا في الجماعات المتطرفة فهي ترى أمير الجماعة لا يخطئ ولهذا نرى كمية الشباب الضائعة وكمية الشباب الذين يفجرون أنفسهم لمجرد أمر من أميرهم دون تفكير، وأيضا يظهر جليا في حب الشيعة لسيدنا علي بن أبي طالب فبسبب حبهم له غطت العاطفة على تفكيرهم فوضعوه في مكانة أعلى من مكانته وبعضهم نزهوه وقالو أنه أحق بالنبوة، أيضا عندما تم تقديس بوذا وضعوه في مكانة الإله، ولهذا حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من تقديس شخصه ووضعه في مكانة أعلى من البشر فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم)) والإطراء هو المبالغة بالمديح ووصفه بصفات هي ليست من صفات البشر ((قل إنما أنا بشر مثلكم)) ويظهر أيضا في تشجيع فريق معين فحبك لهذا الفريق يجعلك أعمى عن عيوبه وإن ارتكب أخطاء تأتي بتبريرات وبراهين عقلية على هذا الخطأ وهذا كله بسبب تأثير العاطفة على التفكير. ولذلك يقول الله عز وجل ((إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)) سورة الأنفال. وقال الله عز وجل أيضا ((أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا))سورة الفرقان
  • حب الأنا: فالإنسان يحب أن يكون موضع تقدير ولا يحب أن يظهر بمظهر المخطئ أبدا وهذا يؤثر على تفكيره وتجعله لا يقبل الحق، وهذا يظهر جليا في المجادلات والمناظرات، فمعظم المناظرات إلا ما رحم ربي الهدف منها ليس الوصول للحق بل إثبات صحة وجهة نظر كل طرف حتى لو كانت وجهة النظر هذه خاطئة يأتي بالبراهين والأدلة على صحتها
  • حب المصلحة: وهي تشبه حب الأنا، فالإنسان يحب مصلحته الخاصة ويحب كل ما يفيدها، وكل ما يخالف مصلحته هو باطل والدليل على ذلك قول أبو جهل للمغيرة: والله إني لأعلم أن ما يقول-يقصد النبي صلى الله عليه وسلم- حق ولكن يمنعني شيء أن بني قصي, الذين هم من سلالة النبي -عليه الصلاة والسلام- من سلالتهم (أن بني قصي قالوا فينا الحجابة فقلنا نعم ثم قالوا فينا السقاية فقلنا نعم ثم قالوا فينا الندوة فقلنا نعم ثم قالوا فينا اللواء فقلنا نعم ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا منا نبي والله لا أفعل)، إذًا أبو جهل يقول حصل تنافس شديد بيننا وبين بني قصي الذي النبي -عليه الصلاة والسلام- منهم، فحصل التنافس في السقاية وفي الندوة وكذلك حصل في من يحمل اللواء، وحصل أيضًا في الحجابة وحصل كذلك في الطعام فكانوا هؤلاء يطعمون وهؤلاء يطعمون، قال حتى إذا تحاكت الركب يعني صارت منزلتنا ومنزلتهم متقاربة وتنافسنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي, يعني خرج منهم نبي وهو النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- فقلنا والله لا أفعل, يعني نحن ما عندنا كذلك نبي لكن ما عندنا إلا أن نكذب هذا النبي فكذبناه.
    فهو يعلم أن النبي على حق ولكن حب المصلحة وحب الأنا منعه من الإيمان به لأنه لو امن به لاعترف ببني قصي بالفوز بالمنافسة.
    أيضا تعالو بنا نذهب إلى قصة سيدنا ادم، فهذا هو سيدنا ادم يوسوس له الشيطان أن يأكل من الشجرة التي منعه الله من الأكل منها، فالعقل يقول أنه من المفترض أن يسمع كلام من أكرمه ومن جعل الملائكة تسجد تكريما له ولا يسمع كلام من أهانه واحتقره-الشيطان- وأيضا الجنة كلها متاح الأكل منها حيث يشاء إلا هذه الشجرة فقط، لكن حب المصلحة المجبول عليه الإنسان للأسف دفعه إلى عدم التفكير بعقلانية، فالشيطان قال له أنه إذا أكلا منها سيصبحا ملكين وسيكونا من الخالدين حيث يقول الله عز وجل على لسان إبليس ((وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين))سورة الأعراف

وأكتفي بهذه العوامل ولكن أود في النهاية ألا يفهمني القارئ خطأ أني أهاجم العقل وأهمش دوره، بالعكس أنا أريد أن أضعه في المكان الصحيح لأنه ظهر علينا تيارات فكرية كثيرة تقول أن كل شئ بالعقل حتى الدين لابد أن يكون بالعقل وأذكر لكم قول على بن ابي طالب رضي الله عنه (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه) وأنا سمعت بأذني رسالة من طبيبة تقول باللفظ (إن الصلاة لم يأمر بها الله لأنها تصيب الإنسان بأمراض جلدية فليس من المعقول أن يأمر الله بشئ يضر الإنسان))، فأود أن أقول أن العقل وحده لن يستطيع الوصول للحق والحقيقة ولكن لابد من تسليحه بالمعرفة والعلم ولذلك عندما خلق الله سيدنا ادم سلحه بالعلم لم يتركه لعقله أن يصل للحق والحقيقة حيث قال الله عز وجل ((وعلم ادم الأسماء كلها))، وأيضا أول ما نزل من القران ((إقرأ)) وقال الله عز وجل ((يرفع الله الذين امنوا ومنكم والذين أوتو العلم درجات)) سورة المجادلة، وقال أيضا ((هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون))سورة الزمر، فيحثنا الله عز وجل على التسلح بالعلم والمعرفة وألا نتبع الهوى اسمع هذه الأية يقول الله عز وجل ((أرأيت من اتخذ الهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا)) وقد أشرنا عليها في حب الانسان لمصلحته الخاصة فكل ما هو مخالف لمصلحته  هو باطل.
وقال أيضا ((ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله))سورة القصص.

العقل مع التسلح بالعلم والمعرفة يوصلان الإنسان للحق والحقيقة.

muhammed raafat

مهندس اقوم بتحضير ماجستير في علم الإجتماع حاصل على إجازة في اقرأن الكريم برواية حفص وإجازات في بعض العلوم الشرعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى