ثقافة وفنون

العقل العربي بين مذهبين

بين مقولة عمر رضي الله عنه: “لست بالخب وليس الخب يخدعني”، وبين مقولة ابن عمر: “من خدعنا بالله انخدعنا له” ما يمكننا أن نتصوره مذهبين تشعب الناس بناء عليهما شعبين: اعتداد بالرأي والحدس السليم، والتزام بالنقل دون خروج عليه ولو بالتأويل. فأما مقولة عمر رضي الله عنه فتختصر حسن السياسة، كما يختصر مذهبه على العموم حسن الفقه لروح الشريعة، مقولة عمر تصح في مذهب القاضي الذي يحكم بين الخصوم -والزمان زمان فساد- فلا يسمح لأحد الخصمين أن يخدعه ويذهب بالحق دون صاحبه، وقد روي عن علي كرم الله وجه أنه قال: إذا فسد الزمان كان سوء الظن من حسن الفطن. ذلك مذهب عمر، وقد كان ابنه عبد الله على غير طريقته ومذهبه في النظر إلى السياسة والشريعة جميعًا.

فبينما اقتحم عمر رضي الله عنه ميدان السياسة منذ أول يوم أتيح لمسلم أن يكون له حظ من أمر خلافة المسلمين ورجحت رؤيته ومقالته كفة المعارضين من الأنصار والمهاجرين، وقامت الدولة على هَدي خطته التي كانت وليدة البديهة في الغالب، (وبديهة رجل كعمر تقف على ركنين من فطنة وفراسة)، وبينما كان عمر بصيرا بمقاصد الشرع يقتحم آفاقه غير هياب معتمدًا على عقل ملهم، ولا غرو فقد مدحه النبي صلى الله عليه وسلم حين أشار إليه قائلًا: “إن من أمتي محدثين”، حتى أنه كان لحسن بصره وسلامة بصيرته يرى الرأي فينزل به القرآن وهو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو معروف من أسباب النزول كآيات الحجاب والطلاق والخمر ومقام إبراهيم وفي أسارى بدر وفي الصلاة على المنافقين… وظل على طريقته في النظر إلى روح الشريعة وإعمال الرأي في تحري مقاصدها بعد انتقال النبي الكريم إلى الرفيق الأعلى، فأشار بجمع القرآن، وأوقف سهم المؤلفة قلوبهم، وجمع الناس على التراويح، وقال بوقوع طلاق الثلاث ثلاثًا… كان رضي الله عنه على الجملة مثالًا رائعًا لكيفية إعمال العقل مقتحمًا به أفق الشريعة لتحتمل مستجدات الأحداث، وكان على بصيرة لما بين الثابت منها والمتغير وما بين المطلق والنسبي من فروقات لا زلنا إلى اليوم نفتقر إلى الوقوف عليها والانطلاق منها لتأسيس الدولة العصرية.

كان رضي الله عنه أساس المدرسة التي تعتد بالرأي ومن أتباعها عبد الله بن مسعود الذي قال عن مذهب عمر: لو سلك الناس واديًا وشِعبًا وسلك عمر واديًا وشعبًا لسلكت وادي عمر وشعبه.

وإلى ابن مسعود يعزى تأسيس مدرسة الرأي بالكوفة حين بعثه عمر إليهم معلمًا، ولا زالت راية الرأي تتداولها أيدي الأعلام من لدن ابن مسعود إلى تلميذه علقمة بن قيس النخعي ثم إبراهيم بن يزيد إلى حماد بن أبي سليمان وصولًا إلى إمام أهل الرأي أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه الذي جاء كأحسن ما يكون استجابة لتغير قضايا العصر وانتشار المسائل المترتبة على ذلك، ودأب أهل الرأي على القياس والاستحسان حتى جردوا المعاني، فنظروا في الشريعة بها، واطَّرحوا خصوصيات الألفاظ، كما يقول الشاطبي.

في حين كان ابن عمر رضي الله عنه مثالًا على الزاهد في السياسة والحكم، الورع الممتثل للموروث امتثالًا مطلقًا، كان وريث هيئة النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليحكي مشيته وطريقته حذو القذة، وكان إلى ذلك مستصغرًا للعقل إلى جانب النقل، كان يُسأل عن المسألة فيجيب بما رآه أو سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما روى الترمذي في سننه عن جبلة بن سُحَيْمٍ: أن رجلاً سأل ابن عمر عن الأضحية أَواجبة هي؟ قال: ضَحى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون. فأعادها، فقال: أَتعقل؟ ضحى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون. وروى الترمذي أيضًا أن رجلًا سأل ابن عمر عن استلام الحجر فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويُقبله. فقال الرجل: أرأيت إن غُلبت عليه؟ أرأيت إن زُوحمت؟ فقال ابن عمر: اجعل أرأيت باليمن! رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله. وعلى درب ابن عمر كانت مدرسة مالك وابن حنبل الذي قدم الحديث الضعيف (الذي تلقته الأمة بالقبول) على الرأي والقياس، وقد احتج الظاهرية بقول الإمام أحمد في إثبات مذهبهم، قال ابن حزم: “وإذا قيل له إذا سأل عن أعلم أهل بلدة بالدين: هذا صاحب حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا صاحب رأي وقياس، فليسأل صاحب الحديث، ولا يحل له أن يسأل صاحب الرأي أصلًا”. بينما توسط الشافعي بين المذهبين وإن مال إلى نصرة مذهب مالك، كما روى ابن عبد البر عن محمد بن الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: صاحبنا أعلم من صاحبكم -يعني أبا حنيفة ومالكًا- وما كان على صاحبكم أن يتكلم، وما كان لصاحبنا أن يسكت. قال: فغضبت وقلت: نشدتك الله، من كان أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك أو أبو حنيفة؟ قال: مالك، لكن صاحبنا أقيس. فقلت: نعم، ومالك أعلم بكتاب الله تعالى وناسخه ومنسوخه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي حنيفة، فمن كان أعلم بكتاب الله وسنة رسوله كان أَوْلَى بالكلام.

وكان أن قام الشافعي بتأسيس قواعد مرعية لطريقة الجمع بين المدرستين، وإن كان مقتضاها تقديم الآثار على الرأي كما ذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك، قال: إن الشافعي علم أصحاب الحديث أن صحيح الرأي فرع للأصل، وعلم أصحاب الرأي أنه لا فرع إلَّا بعد أصل، وأنه لا غنى عن تقديم السنن وصحيح الآثار أولًا.

ويحدد الجابري أهمية قواعد الشافعي وتأثيرها في تكوين العقل العربي إلى اليوم بوصفه “عقلًا تكاد تقتصر عبقريته في البحث لكل فرع عن أصل، وبالتالي لكل جديد عن قديم يقاس عليه، وذلك بالاعتماد أساسًا على النصوص، حتى غدا النص هو السلطة المرجعية الأساسية للعقل العربي وفاعلياته”… مع أبي حنيفة كان المشرع هو العقل، أما مع الشافعي فكان العقل هو المشرَّع له.

الخلاصة أن ابن عمر كان أوعى بالآثار والسنن وأكثر التزامًا بظاهرها من أبيه، وأن عمر كان أفطن وأوفر حركة عقلية في المنقول وأبعد نظرًا في المقاصد من ابنه، وأن مذهب عمر كان أفيد من ناحية السياسة وأكثر إيجابية من ناحية الشريعة، حيث توسعت دولة الإسلام في عهده وتطورت الشريعة وارتقت، بينما لم يكن يتوقع أن يحدث ذلك لو كان ابن عمر في موضع أبيه، لأن الأول شخصية مقتحمة إيجابية فاعلة، وشخصية الثاني انسحابية سلبية. وإذا كان مذهب ابن عمر يصلح في تربية الفرد المسلم، فإن مذهب عمر أصلح في تربية الجماعة وبناء الدولة العصرية وأضبط للعلاقات في المجتمع المسلم وأقوم على نهضته بالجملة.

اقرأ أيضًا : رواية النباتية: هواجس التغيير وحصار المجتمع

برجاء تقييم المقال

الوسوم

mohamed elfar

محمد علي الفار، باحث ومراجع لغوي بالعديد من دور النشر، تخرجت في كلية الآداب جامعة المنصورة قسم اللغة العربية، مواليد أول مارس 1980، أعمل بدار الإفتاء باحثا لغويا وإعلاميا.

‫2 تعليقات

  1. أظن قول عمر رضي الله عنه لا يخالف قول ابن عمر، فقول عمر يختص بأمور الدنيا وأحكامها، وقول ابن عمر فيما يخص فضائل الأخلاق بمعنى قبوله الغبن والخديعة إذا كان ذلك فضلا منه يبديه ويعطيه للناس ( خدعنا في الله) بما ليس فيه تجاوز لحقوق الناس أو إثم وشر بأحد من خلقه أو بالنفس. فليس هما مذهبان مختلفان أو مقولتان متعارضتان

    1. حسن، ما أردت قوله أن مذهب عمر -ثم مدرسة الرأي بعد ذلك- لو قدر أن يسود العقل الجمعي للأمة بدلا من سيادة مدرسة النقل (على مستوى العقل الجمعي كذلك)، ربما تغيرت شكل السياسة، لعلنا مثلا لم نكن نرى التصنيف النظري فيها على شكل الآداب السلطانية، ولكان لدينا فكر أكثر إيجابية على المستويين العملي والنظري للسياسة (أقول ربما فالواقع أن المعتزلة سكتوا على استبداد السياسة بالفكر على منهجهم في الحرية)… ربما لو تقرر مذهب عمر في العقل الفقهي كذلك لتغيرت طريقة ترتيب الأصول وتقدم الرأي ليحتل مكانة معتبرة بينها… وعلى مستوى التراث لم نكن في حاجة إلى تدوين المتون ثم الشروح عليها ثم التحشية بغير خروج عن القالب القديم، ربما كان باب الاجتهاد يظل مفتوحا ولا يغلق بموت الطبري مثلا، لا زلنا إلى اليوم كلما حزبت مسألة رجعنا بها إلى أصل نقيسها عليه… إن الشافعي نفسه لم يكن ليرضى بذلك مع تغير الجهات الأربع ذلك التغير الكبير… هذا رأيي والله أعلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق