ثقافة و فنون

العقل العربي المتحرر

لا يعنى التحرر بالضرورة اتباع مذهب أو نظرية تنظم هذا الوجه وتدعو له، فقد أسقط وعينا المعاصر كل غطاء نظري للتحرر، وسقطت كل دعوة  تستعمل لهذا الغرض و أصبحت الأمور عارية ومرئية بوضوح، وأصبحنا ندرك بأن العناوين العريضة التي تفيض بمعاني الحرية ومصطلحاتها لم تعبر عن الكيفية السليمة التي تمارس الحرية خلالها، الأمر الذي يلح على كل إنسان متابعة دوره لإيجاد صورة حسية مقبولة وعقلية مستدل عنها ومنطقية مرغوب فيها لفكرته هو عن الحرية معتمدا في ذلك على مجهوده الذهني وبناء على ثقافته وعلمه وإدراكه، وعليه أن يتمم بفكره الخاص رؤية شاملة لمجتمع كبير يسعى نحو حرية في الاعتقاد والفكر والرأي والعيش. وكذلك لا يمكنه اتباع أفكار تحررية خارجة عن زماننا ومكاننا كجلب أفكار غربية وغرسها في غير بيئتها بهدف التشدق بما هو جديد و فقط، أو كمنطلق لتحسين وضع قائم على الطغيان وقمع الحريات، فأبدا لا يمكننا أن نكون سماسرة للحضارات وعملاء تسويقيين لتلك الأفكار والمذاهب الغربية.

وإن لفي محاولة تفسير عنوان المقال مضمونا توضيحيا لما سوف يتأتى في عقلك أيها القارئ، فنحن نتحدث عن عقل  يتأمل في موجوداته ويفكر في تساؤلاته ويتعامل مع مدخلات ذهنية بسيطة أو معقدة، ويصل لنتائجه عبر مقدمات واستدلالات، وهناك تلك الحركة التي يباشرها العقل مابين إدراكه وواقعه، والواقع لهذا العقل الذي هو عقل عربي هو الواقع العربي، و المستدل عليه بجغرافيتة وتاريخه ولغتة الواحدة ولهجاته المتعددة وصفات أجناس أفراده وأصولهم، ومشكلاته وحضارته المتعثرة أو المنعدمة وثقافاته وقومياته وكل مايشير استدلالا إلى العرب، فنحن نتحدث عن العقل الذي يفكر عربيا عن فرصة في امتلاك حريته أو مفهومة لقيمة التحرر ، والتي هي قيمة إنسانية بالأساس وقيمة وجودية بالأصل، ففي بعض المواضع قيل ” تحدث حتى أراك ” وفي بعضها قيل ” أنا أفكر إذا أنا موجود ” ومن الإفادة أيضا إن قلنا ” تحرر حتى أراك ” أو ” أنا حر إذا أنا موجود ” ، إذا نحن نتحدث عن العقل العربي المتحرر أو عن فرص هذا العقل العربي في التحرر.

فقد أدرك الإنسان أنه جسد قبل أن يدرك أنه روح أيضا، واكتشف حاجاته المادية الملبية لجوعه وعطشه ورغباته قبل أن يعوز للحاجات التي تغذيه ذهنيا وروحانيا، ونحن أدركنا أننا عرب ونمتلك الحمية العربية قبل أن ندرك بأن هناك عالما يسبقنا بأفكاره وعلومه وتحرره أيضا، فانشغلنا بدافع التملص من تأخرنا بالمقارنات والتحليلات مابين المتقدم والمتأخر، وانعزلنا فكريا عن ابتداع طرقنا وطرائقنا في سبيل تحررنا الفكري والمعيشي، وذهب البعض لدعوة أفكار غربية على المائدة العربية ولاضرر في ذالك لوكانت تلك الدعوة يغلب عليها الطابع الإنساني العام وليست بقصد الدعوة لفكر يتعارض وهويتنا وعروبتنا، فنحن كعرب قد نكون في محل الانعزال الإنساني لأسباب كثيرة ليس لها مساحة في حديثنا ويعلمها كل مفكر عربي لكنا لسنا بقاصرين عن إيجاد حلول تناسبنا، و حديثي يجمع العرب كلهم في سلة تعطش واحده للحرية أو التحرر فكريا أو معيشيا.

فالحق هو مايظهر نفعه للإنسان وتتجلى صلاحيته للمجتمع، والحرية الفردية هي تلك المنفعة التي تعود لصاحبها دون نقصان أو زيادة، والمنفعة الكاملة هي ما يعود على المجتمع من أثر حرية أفراده، ولا يمكن لأي سلطة بشرية أن تحدد طبيعة المنفعة من الحرية، ولكن يمكنها أن تحدد ما على الأفراد من واجبات وما للأفراد عليها من حقوق، وتلك الموجبات وحدها هي ما سيحدد إطارا سليما للحرية وليست قوانين المنع والقمع والجبر البشرية.

ومبدأ االمنفعة المتبادل هذا ما بين السلطة أو رأس المجتمع وبين أفراده هو مالم تسعى إليه أي سلطة عربية معاصرة سابقة أو حالية، ولم تفكر أبدا في قضايا أفرادها الإنسانية، فأنظمة الحكم لدينا لا تقر بحق الفرد في التعبير أو ممارسة الحرية بالشكل الاجتماعي التفاعلي وأحيانا تحجم من حريات الأشخاص الفردية، والأنظمة أو البرامج التعليمية تحمل رؤى موجهة لكن لا تهدف إلى صنع فرد متميز ومبدع ومعبر وحر بل تحوله إلى النسخة التي تريد أن تكون متشابها مع الجميع ليكونوا قطعان في بلدان مركزية أشبه بمركزية القبيلة و تجمعات الرعي، والخدمات التي توجهها من مرافق وبنى تحتية في أغلب بلداننا وليست الكل لا تحترم أدنى حق بشرى في التمتع بمساحة لحريته بل تنشأها لمجرد أنه يجب أن تفعل ولخدمة الزمرة وليس احتراما لكل فرد على حدى، وطالما لم تصنع السلطات العربية إنسانا ولم تحترم مساحتة ولم تعتبر أثرا لوجودة فسوف نظل في الجزئ الغائب عن وعيها.

إن الإنسان لهو محور ثورة الوعي لطالما كان كذلك في تراثنا القديم وبدا أنه لادور له غير ذلك في عالمنا المعاصر، ولايجب أن تديننا طبيعتنا وفطرتنا كبشر  والتي هي أساس المبدأ الحضاري وركيزة البناء الإنساني بشكل عام، وفطرتنا كبشر لم تحدد ماذا نأكل أو نلبس بل حررت هذا المغذي ولخصته فيما هو نافع، فلنا مطلق الحرية أن نعيش كيفما طغت منفعتنا، بينما التراث الإنساني عامة وتراثنا العربي أيضا لم يحدد للأجداد كيف يتعايشون بل طرائق معايشهم هي ما أوجد الأثر و التراث المبلغ عنهم وعن حضارتهم ورقيهم و تحررهم، إذا لم يتعارض التراث الإنساني مع الحرية، فلم تجردنا أنظمتنا من حقوقنا في حرية الإبداع بدعوى بناء الإنسان؟

أيضا لا يتعارض الدين مع الحرية فالدين في شعور الإنسان مقدس، والعقل الذى يدرك حدوده يفسح مجلات أخرى لحريه أفكاره، فلما تسلبنا سلطاتنا مالنا من حرية في الفكر  بدعوى حماية الثوابت؟

إن العقلانية والتي هي شرط التحرر، أو أساس القياس الإدراكي للحريات، أوكما أسلفنا بالذكر بأن الإنسان هو محور ثورة الوعي، فلما كانت الحقيقة هي تلك  أي ثورة للوعي وسعي نحو تحقيق المكسب فإن العقلانية هي مكسب تلك الثورة، ومع الاعتبار بأن العقل وحده القادر على الحوز بمكتسباته والانتصار لها فإنه وحده القادر أيضا على تحجيم جهود أي سلطة تسلك مسلك تغيبه أو تهميشه، فلما الحاجة إلى سلطة تقرر ما هو تحرر وما هو هدم للإنسان أو تعد على الثوابت؟

إن وجود نظام يصوغ قوانين الحقوق والواجبات وينظم الحريات ويحدد الأملاك والممتلكات، يجب أن يظل في سياقه الصحيح فلا يتعدى على حرية الفرد التي تكون منفعته معنويا ، وعلى الفرد أن يحترم حدوده المادية التي حددها النظام في الشكل المادي كالأملاك مثلا، لكن على الفرد أيضا حماية حقوقه في وجود نظام يسعى لسلبه أفكاره وإدراكه وحرية قوله وفعله، عليه أن يساهم إيجابيا.

إن كل المفاهيم التي قد تجمع مدخلا للتحرر للإنسان العربي هي مناسبة كونها تناسب كل الإنسانية، ولكن الهوية والمعوزة هي من يحدد أطر التصرف أو السعي نحو تقنين تلك المفاهيم وتطبيق ممارستها ، فإن كنا سنسعى نحو التحرر الذي يجلب منفعة حقيقية لا انتقاص منها أو زيادة فيها فنحن إذا نباشر عملا يوصف بالدلالاة تحرر.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

رامى الحلبى

فنان تشكيلى كاتب رأى وباحث فى التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق