أسلوب حياة

العقبات ومرارات الحياة.. صخور في الطريق إلى قمة النجاح

المرارت تذهبها النجاحات، لو كنت أعرف الرسم لنقشت على الجدران شابًا في أعلى قمة المنحدر يتصبب عرقًا يمسحه عن جبينه فرحًا، ومن خلفه مساحات من الأرض منخفضة تحت الهضاب والتلال بمنحدرات لا يسلم منها إلا كل ذي عزيمة، ومن أمامه الرياض الخضراء والأراضي المنبسطة حيث الماء والشجر والهواء، بل حيث الحياة التي سعى لأن يحياها صابرًا على كل الصعاب.

إنها حياة كل شاب، وطريق كل حي، وتجربة كل ناجح، وصدق القائل حيث قال: “لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله، لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر”، وحيث قال القائل: “ويفوز باللذات كل مغامرٍ، ويموت بالحسرات من يخشى العواقب”، إن نشوة الانتصار تظهر حقًا يوم صيحة النصر لا يوم الحصول على الجائزة، وأعظم نظرةٍ هي التي تظهر عند اشتداد المحن؛ حين يقتضب الجبين، وتكسو الوجه علامات الإصرار، وينتفض كل عرقٍ في الإنسان بتصميم يدفعه إلى التغلب على الصعاب.

والدنيا ليست ثمرتها قريبة المنال، بل هي الحلم والخيال الذي لا يتحول عن خياله إلى واقع يدب على الأرض؛ إلا بالتصميم والإصرار ومكابدة الأهوال والأخطار، والدنيا ليست لضعاف النفوس ولا راغبي التنعم، بل الحياة الحقيقية والنعيم الحق واللذة التي لا تنقطع، هي تلك التي تأتي بعد الجهد، فهنا تحلو في الريق الحياة، ويتنسم الإنسان رحيقها، وينعم بها حيث بذل ثمنها.

كم من شابٍ يلاقي الصعاب في دنياه، ويشعر بالأسى والأسف والتشاؤم واليأس، ويلقي ما في يده مستسلمًا لعذابات الدنيا، ويقف في أول الطريق أو وسطه يبكي حاله وينعي شبابه، ويلقي باللوم على الحياة ونظامها القائم على القوة والغلبة والسيطرة والبقاء للأقوى، وكم من شاب عاد من حيث بدأ، وكم من شاب استسلم لحاله ورضي بالدون من العيش، وعاش في بحرها تتقاذفه أمواجها إلى حيث تجري به الرياح، وكم من شاب بعد المحاولات يأس فألقى سلاح الجد وكف عن المحاولة، وكم من ضعيف النفس خوار الفؤاد رحل عن الدنيا مرادًا معلنًا في غيابات لحدة فشله.

إن من يحيا حقًا هذه الحياة لا يكون كما قال “دينيس ويتلي” : “هناك خياران في الحياة: إما أن تتقبل ظروفك الحالية كما هي، أو تتحمل مسئولية تغيير هذه الظروف”، بل الخيار الأوحد الذي أمامنا هو تغيير هذه الظروف، وهذا التغيير لن يكون دفعةً واحدةً، بل كما قال “وينفري”: “باستطاعتنا امتلاك كل شيء، لكننا غير قادرين على امتلاكه دفعة واحدة”، فلابد من المحاولة، ولابد من توقع الفشل، وأن نجعله كما قال “هنري فورد”: “الفشل هو الفرصة التي تتيح لك البدء من جديد بذكاء أكبر”، ولا بد أن يتقن كل ذي عزيمة أن الأقدار تضع الإنسان حيث تضعه مواهبه كما قال الدكتور محمود محمد عمارة، ولتكن فلسفة الشاب في حياته “كن الأفضل”، وليعلم الشاب أن كل هؤلاء العظماء الذين جلسوا على عروش الكمالات؛ قد ذاقوا صعاب الحياة وأسوأ آلامها، حتى نالوا آمالها وصاروا أسوةً لغيرهم، يقتدي بهم سالكوا طرق المجد في سبله الوعرة، بل ما من قدوة يقتدي به البشر في حياتهم إلا ومعه قصص من المعاناة التي صارت أنشودة على مر الزمان يتغنى ويتسلى بها الأبطال.

وعندنا في الإسلام كما صورهم لنا القرآن نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- وغيرهم من الأنبياء والرسل والأتباع الكرام كيف كانت حياتهم، تلك الحياة التي صورها القرآن نموذجًا حيًا يتعبد به بنو الإسلام، وكم من مرة قال الله تعالى: “إنا لا نضيع أجر المحسنين”، وهذا يوسف عليه السلام يقول بعد رحلة المعاناة التي تقلب فيها بين ظلم إخوته وبين ظلم الرق وظلمات السجن، يقول: “أنا يوسف وهذا أخي قد منَ الله علينا إنه من يتقي ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنيين”، إنها فلسفة الإسلام التي تربي أبناءها على الإحسان والإتقان، ويكفي أن الله -سبحانه وتعالى- ذكرنا بالإحسان في القرآن الكريم أكثر من مائتين وسبعة وثلاثين مرة.

وليس هذا عندنا في الإسلام وحده، بل في كل الحضارات وعصور التاريخ هناك شباب تغلبوا على المحن، حتى تحولت على أيديهم إلى منحٍ زينوا بها حياتهم، هناك الملك مينا، وأحمس، وتحتمس الثالث، ورمسيس، والإسكندر الأكبر، وهناك غاندي وهناك وهناك، وهناك فلاسفة الدنيا وحكماؤها ما تركوا الإصرار يومًا، ولم يتركوا الصعاب تتحكم فيهم، ولم تهولهم كثرة العقبات؛ بل تخطوها بشجاعة وثبات.

إننا نحن العرب نحتاج إلى التغلب على عقباتنا التي أورثتنا تخلفًا واضمحلالًا بين الأمم، وأعادتنا رجلاً مريضًا يتحكم فيه غيره، ويقتسم غيره تركته، وهو قابع في وحل مشاكله لا يرفع رأسًا إلى مجد تليد، ولا ينتظر شمسًا تبدد ظلماته التي غاب فيها عن الدنيا، والأمل قائمٌ، والشباب هم قوتنا، ومكمن عزيمتنا، وسر قوتنا، وما أخذته الأيام فستجود به غيرها، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

سعيد عبدالخالق طه

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر عضو المركز الإسلامي المصري بتزانيا أؤمن أن لشريعتنا الإسلامية فلسفة لا بد أن تدرك نقدم رؤية لا أكثر

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى