ثقافة وفنون

العقاد مخاطبًا الإنسان: اعمل طلبًا للإتقان، لا طلبًا للشهرة والإحسان

قم للمعلم وفِّهِ التبجيلا *** كاد المعلم أن يكون رسولا

نعم علينا الوقوف احترامًا وإجلالًا للمعلم الذي لا ينفك عن تعليمنا حتى بعد وفاته، فقلما نجد في تاريخنا قامة قيّمة كالعبقري عباس محمود العقاد مثله من يقف التاريخ تبجيلًا له، واعترافًا بفضل إسهاماته في شتى المجالات، تتلقفنا الحيرة في تصنيفه، فهو جوهرة تاج الأدب في كل وجه منها يحمل جمالًا مبهرًا فريدًا، وكل الوجوه معًا تعكس وجهه وإسهاماته التي تأسر العقول والألباب.

لا يخفى على أحد هامة العقاد الشامخة، فهو شاعر عملاق وكاتب مبدع  حيث كتب سلسلة العبقريات الأكثر شيوعًا والأكثر جدلًا في آن واحد، تلك السلسلة التي تشهد بعبقرية كاتبها. وأيضًا كان مفكر وفيلسوف متمكن، كما أنه ناقد حصيف لما له من مؤلفات نقدية ولغوية كثيرة.

لذلك نجد مشقة في وصفه، لكن من السهل واليسير أن نرى فضله في ازدهار كل تلك المحافل، فقد كان سبب رئيسي من أسباب نهضة ونمو الحياة الفكرية والسياسية في مصر، فأقل ما يمكن أن نقدمه لهذا العملاق هو أن نسمي مصر في عصره ب “مصر العقادية” إن صح التعبير.

العقاد هو لقب عائلته، وبالبحث في معنى هذه الكلمة نجد أنها تعني من يعمل بصناعة الغزل والنسيج، فورث عن جده الأكبر اللقب، وورث عنه أيضًا المهنة لكن بأسلوب مختلف، فكان جده يغزل النسيج لينتج الحرير، وكان هو يغزل الحروف، لينتج حرائر الموضوعات، فروّض الحروف لتكون طوع بنانه، فيغزلها وينمقها معًا، لينتج عنها لوحة أدبية لا مثيل لها.

تحت شمس أسوان وفي أحضان النيل كانت نشأته، علمته الحضارة أن من ليس له ماضى لا مستقبل له لذا كان دائمًا ما يعود بنا إلى حيث الجذور في مؤلفاته، خلال المرحلة الابتدائية زارهم الشيخ محمد عبده في المدرسة، ولما رأى في عينه نبوغ منقطع النظير، وفي كلماته فصاحة أكبر بكثير من سنوات عمره القليلة، قال عنه “ما أجدر بهذا أن يكون كاتب بعد”، بعد انتهاء المرحلة الابتدائية، ترك التعليم، لكنه لم يترك التَعَلُّم، فأصبح وأمسى بين الكتب، يقرأ كل ما يقع بين يديه، فقد كان يقرأ للاستزادة من الإحساس بالحياة، فتربع على قمة جبل من المعرفة، برغم حداثة سنه.

قدم نفسه للحياة الأدبية في بادئ الأمر كشاعر، وكان يتبنى مدرسة الحداثة والتطوير في الشعر، وكان لثورة ١٩١٩ في نفسه أكبر الأثر، وكانت هى الشرارة الأولى لاكتشاف السياسي المحنك بداخله، حيث وجد نفسه مرغمًا على الكتابة للدفاع عنها برغبة من ضميره الذي كان يعتبر الاتجاه للحياة السياسية واجب وطني، لا للرغبة في مجد أو منصب، في تلك المرحلة كان الاشتغال بالسياسة بمثابة تجنيد عام لكل الأقلام لخدمة الوطن.

بالحديث عن السياسة لا يمكننا إغفال دور سعد زغلول في حياة العقاد، فقد كان العقاد من المعجبين بسعد زغلول، ثم جالسه في مجلس النواب، فأصبح من مُرِيدِيهِ، فتعلّم من مدرسة سعد زغلول – والشيخ محمد عبده من قبله – الالتزام والجدية، وعدم مواربة الحق، ومواجهة الخطأ بجسارة، لكن تلك الجسارة كانت سببًا في دخوله السجن لمدة تسعة أشهر بسبب موقفه الشهير ضد الملك فؤاد، حيث دافع بعقل مستنير وقلب بصير عن الحرية، ووقف ضد طغيان الملك وقمعه للحريات.

انضم لحزب الوفد وأصبح من أبرز أعضائه النشطين، لكن ذلك لم يمنعه عن انتقادهم بضراوة حين ارتأى بعض الخلل في السياسة العامة والمعاهدة البريطانية – المصريةالتي وقعها الحزب مع بريطانيا أنها وصمة عار، فوصفها بأقذع الألفاظ، فقد كان لا يخاف في حق لومة لائم.

أما معاركه الأدبية فكانت لا تقل شراسة عن معاركه السياسية، فقد كان لقلم العقاد الكثير من الأعداء، وذلك لجرأته المستحدثة على ذلك العصر، مثل أحمد شوقي الذي نفى عنه العقاد إمارة الشعر العربي، وطه حسين الذي قال عنه مستهينًا به، ساخرًا من سلسة العبقريات “من الذي قرأ العقاد وفهم مقصده”، لكن بعدها ذاب ذلك الخلاف وتصافا بحق، بيد أن معركته مع الرافعي كانت أعتى معاركه واستمرت حتى وافتهم المنية.

كان لديه معركة غير مفهومة في رأيي، هي معركته ضد النساء، فإذا كان العقاد قائدًا مستنيرًا، يقود ثورات ضد رجعية الفكر، إلا أنه من أشد مؤيدي الرجعية في حق المرأة، بل يعادي جميع حقوقها علنًا، فيرى أن دور المرأة لا يتعدى المنزل ورعاية الأبناء، بل يجب على كل السيدات عدم مشاركة الرجال في ميدان العمل، لأن المنزل أولى بهن في رأيه، بل يزعم أنه بذلك يحافظ على حق المرأة الأصيل الذي خلقها الله له، آلا وهو الزواج وتربية الأبناء، وبالتالي لا عجب في أنه لم يتزوج لأنه اعتقد أن الزواج سيكون عرقلة في مسيرته، فقد نذر نفسه وقدّم عمره فداءًا للحياة الفكرية.

في الوقت نفسه، لم تكن له إلا رواية واحدة بعنوان سارة، وقيل إنها عن قصة الحب الوحيدة في حياته، لكنه تخلى عن الحب في سبيل الأدب حتى توفاه الله.

رحم الله عباس محمود العقاد الذي لم يرحم نفسه يومًا، وترك لنا إرثًا مهولًا أثرى به حياتنا، إرثًا مكتوبًا بقلمٍ يقطرُ ألمًا، وجاءت آخر عبارته ككنز دفين، حيث فكر في الإنسان ليدفعه للأمام حين قال:

“فكر في واجبك كما تفكر في حقك، واعمل طلبًا للإتقان، لا طلبًا للشهرة والإحسان”. 

مريم أحمد حسين

كاتبة مهتمة بالشأن الثقافي والمعرفي، بدأت كتابة المقالات بشكل احترافي ونشرها منذ 2016، وتم نشر بعض القصص القصيرة في عدة صحف ومجموعات قصصية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى