ثقافة وفنون

العظماء والتاريخ.. من يصنع الآخر ويضمن له الخلود؟

دائماً هناك علاقة بين صناعة التاريخ والعظماء؛ علاقة وثيقة تثير سؤالاً منطقيًا غير أن الإجابة عنه ليست دائمًا ميسورًا، فهل التاريخ يصنع العظماء أم أن العظماء هم من يصنعون التاريخ؟ وهل ما يقوم به الأفراد هو الذي يمثل النبع بالنسبة للتاريخ وهو منبع التطور التاريخي؟ أم أن للتاريخ والحدث التاريخي سياقه وحياته وحراكه وقوانينه العامة التي تسبق أفعال الأفراد والعظماء وتؤسس لدورهم؟ تظل هذه الإشكالية.

إشكالية دور الفرد والعظماء في صناعة التاريخ مثيرة للأسئلة ومفتوحة النقاش. فهناك من يرى أن التاريخ لا يمكن له أن يصنع هو العظماء وأن الوقائع التاريخية تبقى دائماً مجرد وقائع يصح أن تقع في أي زمان ومكان لكن ما يكسبها نكهة خاصة هي ارتباطها بأشخاص بعينهم، أشخاص ليسوا عاديين ولكنهم عظماء.

فالجواب مثلاً من الممكن أن تنشب الحرب في وقت وبين أي جماعات وشعوب ودول، ولكن ما يجعل حرب ما تاريخيّة بالمعنى الخاص لكلمة تاريخية، هو أن هذه الحرب أو تلك ارتبطت بقادة معينين وبأحداث لم تكن لتقع لولا هؤلاء القادة.

حروب الإسكندر مثلاً أو حروب نابليون أو حتى هتلر، هذه الحروب كان طبيعيًا أن تقع ليس هذا فقط وأن تقع بين نفس الدول وفي نفس التاريخ لكنها صارت تاريخيّة عندما اقترنت بأسماء هؤلاء، فهم بقراراتهم وتصرفاتهم وأقوالهم صبغوها بهذه الصبغة. والأمر بالطبع لا يقتصر على الحروب والفتوحات وحدها بل يمتد ليشمل غيرها مثل فترة حكم ملك من الملوك أو رئيس من الرؤساء، بل وحتى الثورات فهي من الطبيعي أن تحدث لكن ارتباط ثورة ما بزعيم يحمل صفات مميزة تجعل ثورته أكثر تاريخيّة من غيرها من الثورات. وهكذا الآثار التي تكتسب تميزها من كونها ارتبطت باسم ملك من الملوك وفكر خاص وطبيعة فريدة.

إلا أن الأمر لا يسير دائماً على نفس المنوال فهناك أحداث تخلق أفراداً. أحداث تدخل أفراداً التاريخ وتجعل منهم زعماء وعظماء والأمثلة على ذلك كثيرة ترتبط في أكثرها بالثورات والحروب وحتى المصادفات التي تهب كرسي العرش لفرد ما في بلد ذو طبيعة خاصة وفي تاريخ خاص، هذه الأحداث تكسب الفرد وصف تاريخي دون أي تحرك أو عمل منه وهؤلاء ما يمكن أن نطلق عليهم زعماء بالصدفة.

وإذا كان لا يمكن إنكار دور الفرد في صناعة التاريخ إلا أن الأفراد وتأثيراتهم، كما يقول بليخانوف في كتابه “دور الفرد في التاريخ”، مهما عظم شأنهم وقدراتهم ومواهبهم لا يستطيعون وحدهم أن يحددوا مجرى التطورات التاريخية والتغيرات الاجتماعية التي تحتكم بالأساس إلى قوى وظروف موضوعية. فأسباب هذه التطورات والتغيرات تكمن تحديدًا في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية واصطفافاتها الطبقية المتناقضة والمتوترة، ومن الأمثلة على ذلك دور لينين كقائد للثورة البلشفية في روسيا، ودور جمال عبد الناصر في ثورة يوليو 1952 والحركة القومية العربية في القرن العشرين ودور فيدل كاستر وجيڤارا في الثورة الكوبية وغيرها من الأدوار التي جاءت بعد اختمار الشروط الموضوعية واكتمال المقدمات المادية لعملية التغير والثورة.

غير أنه قد تصبح شخصية الفرد وقدراته ومواهبه وكل ما يندرج تحت ذلك من صفات وسمات عاملًا في التطورات الاجتماعية فقط إذا ما سمحت العلاقات الاجتماعية (تناقضاتها وصراعاتها) لهذه العوامل أن تفرز تأثيراتها، وإذا ما أتاحت هذه العلاقات المناخ ووفرت البيئة لفعلها. بعبارة أخرى هناك محدوديات لدور الفرد في التاريخ والمجتمع ومهما عظم شأن الفرد وقدراته، فإنه لا يستطيع أن يفرض أو يقيم أو يغير علاقات اجتماعية وتاريخية إذا لم يتوافق هذا مع الأوضاع وميزان القوي القائم في المجتمع واتجاه حركته.

وفي الحقيقة، فإن المجتمعات محكومة بضرورات، هي في جوهرها اقتصادية تقف خلف الحدث الذي قد يبدو أمراً عارضًا أو مجرد صدفة، وفي إطار هذه الضرورات يكون من الضروري أن تتم معالجة دور الأفراد والعظماء، فالقوى الإنتاجية وتطورها هي السبب العام للتقدم التاريخي للإنسان والمجتمع وهي التي تحدد التغيرات المتتالية في العلاقات الاجتماعية. إلا أن هذا لا ينفي أن صناعة التاريخ والأحداث التاريخية قد تأخذ ملامح هذا الفرد أو القائد، أو أنها قد تتطبع بخصائصه وسماته، كما أن خصائص وشخصية وعقلية الأفراد ذوي التأثير تترك بصماتها العميقة على الأحداث وقد تغير ملامحها وربما بعضًا من نتائجها، إلا أن هذه الخصائص لا تبدل الاتجاه العام للتغيير والأحداث والتاريخ.

ولكن الأقرب للصواب والمنطق هو أنه لو لم يجتمع الظرف الخاص مع الفرد الخاص لما كان هناك تاريخ ولا نقصد هنا مجرد تاريخ، بل الخلود في التاريخ وهذا الإطار يمكن فهم أنه ليس كل شخص مؤهل لأن يغير التاريخ، ولا كل حدث يمكن أن يكون تاريخياً. فهناك أشخاص وهم الغالبية العظمى والسواد الأكبر يعيشون التاريخ، وهناك على النقيض تمامًا من هؤلاء يصنعون التاريخ الذي يعيشونه ويعيشه غيرهم، فانتصب وأصنع التاريخ.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبدالله احمد علي الدالي

متخصص في التاريخ والاثار المصرية والاسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق