ثقافة وفنون

فيلم “العزيمة” والنمطية المستهلكة في السينما المصرية

يعد فيلم العزيمة واحد من أهم الكلاسيكيات في تاريخ السينما المصرية حيث يأتي على رأس القائمة الخاصة بـ أفضل مائة فيلم سينمائي خلال القرن العشرين فاحتل المرتبة الأولى في تلك القائمة، ويعود تاريخ إنتاج فيلم العزيمة إلى عام 1939 لكن قصة التحضير للفيلم تسبق هذا التاريخ بسنوات عدة وبالتحديد عام 1932 عندما شرع كمال سليم بكتابة قصة الفيلم والتي حملت اسم “في الحارة” إلا أن هذا الاسم لم يستمر حيث اضطر مؤلف الفيلم إلى تغييره ل”العزيمة” نظرًا لرفض الشركة المنتجة “استديو مصر” اسم “في الحارة”.

عُرض الفيلم في شتاء عام 1939 وبالتحديد في السادس عشر من نوفمبر وقد أسندت بطولة الفيلم إلى حسين صدقي وفاطمة رشدي وشاركهم في البطولة أنور وجدي وزكي رستم وماري منيب وعبدالسلام النابلسي وأخرج الفيلم وألفه كمال سليم وشاركه في الحوار بديع خيري.

يبدأ الفيلم بصوت الأذان للشيخ علي محمود وحركة الكاميرا تتجه نحو اسم الحارة درب معتوق وهو اسم الحارة دائرة الأحداث فيما بعد، تبدأ الكاميرا تستعرض حال الحارة وسكانها وما يدور من حديث مع أشهر سكانها من أصحاب المهن المختلفة بداية من صاحب الفرن وحديث صبي القهوة للمعلم شوبك وما تلاه من أحاديث ساخرة بين الحانوتي وصاحب محل الجزارة.

تتابع المشاهد بعد ذلك لتنقل حديث الأم مع ابنها حول نتيجة الشهادة الجامعية ودعائها له بالتوفيق حتى يتمكن من مساعدة أبيه عوضًا عما لقيه والده من متاعب ومشاق لكي ينال نجله الوحيد تعليمه ويحصل على الشهادة التي تمكنه من الحصول على وظيفة مرموقة، تجدر الإشارة إلى أن التعليم آنذاك كان له أولوية كبيرة في الحصول على الوظائف المهمة وارتفاع المرتبة الاجتماعية لذا نجد أن الحصول على شهادة البكالوريوس قد أُوليت اهتمامًا كبيرًا من قبل صناع السينما في معظم أعمالهم.

ترتبط فاطمة “فاطمة رشدي” بعلاقة غرامية مع محمد “حسين صدقي” ابن حارتها ونجل حلاق الحارة، ويتفق الاثنان على الزواج حال تخرج محمد من الجامعة وحصوله على الشهادة الجامعية مما سيوفر له وظيفة مرموقة في المجتمع، يرفض حسين كامل العمل في سيرك الوظيفة الحكومية، ليتدخل نزيه باشا “زكي رستم” ويقتنع بفكرة محمد ويجبر ابنه على الدخول في شراكة بينه وبين صديقه عدلي “أنور وجدي”. يسافر زكي رستم إلى أوروبا وبمجرد سفره يخل “أنور وجدي” باتفاقه مع حسين صدقي بعد أن أضاع أموال أبيه في الخمور ولعب القمار.

تمر الأيام حتى يعود زكي رستم من رحلته ليعلم بما حدث من نجله تجاه صديقه حسين صدقي فيطرد نجله من منزله ويقرر حرمانه من أمواله ومن ممتلكاته حتى يعود إلى صوابه ويعمل ويكد ويجتهد، ويتوسط زكي رستم لحسين صدقي عند أحد أصدقائه لتعيينه في إحدى شركات المقاولات ويستطيع من خلال تعيينه هذا الزواج من محبوبته فاطمة رشدي وتستقر حياته، حتى يقع في ضائقة داخل الشركة ويفصل على إثرها محمد “حسين صدقي” من الشركة ويضطر للعمل كعامل بأحد محلات الأحذية حتى تعلم زوجته بهذا وتطلب الطلاق منه، وهنا يدخل المعلم عتره محور الشر الفيلم ليتزوج طليقة محمد.

من خلال مشاهدة هذا العمل تجد أن الفيلم يعتبر أيقونة عصره؛ حيث استطاع صناع الفيلم الخروج به عن المألوف والمتداول في تلك الصناعة حيث اعتادت السينما تناول القصور وحياة الأمراء والأثرياء وما يحيط بها من بساتين وزروع وكان على غير العادة التطرق إلى حياة البسطاء والفقراء نظرًا لخوف الصناع من انصراف الجمهور عن العمل، وكان حجتهم على هذا هو رواد السينما آنذاك الذين كان معظمهم من الطبقة الوسطى والبسطاء، وبما أن الطبيعة الإنسانية متطلعة دائمًا إلى الرقي والتقدم فجمهور السينما كان يذهب ليمتع نظره برؤية القصور وحياة الترف لا لرؤية واقعه اليومي وما به من متناقضات ومشاهد اعتاد على رؤيتها، أضف إلى ذلك ازدهار الحياة المسرحية في مصر آنذاك حيث الفرق المسرحية المتنوعة والناقلة للمسرح الأوروبي وما به مآسي وصراعات بين الخير والشر لذا نجد أن صناعة السينما حاولت أن تكون ذات مضمون ترفيهي في تناولها للواقع، أضف إلى ذلك بعدهم عن الاشتباك مع الواقع المجتمعي بالاعتماد على المسرح في التناول الجاد للموضوعات الحياتية آنذاك.

أتى فيلم العزيمة خارج هذا المألوف ليتناول حياة الحارة المصرية ويلقي الضوء على جوانبها الحياتية، وفي حديث المخرج أحمد بدرخان بمجلة الصباح عام 1932 يرجع سبب رفض صناع السينما التعرض لأوساط الفلاحين والعمال إلى عدة أسباب منها أن معظم رواد السينما كان من الطبقة المتوسطة ووفقًا للمنهج الاجتماعي النقدي فإن الإنسان يرفض رؤية العالم المحيط به بل يطمح إلى رؤية ما يخفى عنه وما يجهله؛ أضف إلى ذلك اعتماد السينما على الصورة والمناظر والعين تعشق الجمال ورؤيته، وبتطبيق هذا نجد سبب انحسار السينما داخل أروقة القصور وبهو الملوك واعتمادها على خط واحد في قصص الحب فكانت معظم الأفلام عبارة عن مناظر جميلة وقصة حب تتغنى داخل القصور.

وعلى الرغم من انخفاض معايير النجاح بالنسبة لهذه النوعية من نوعية أفلام العزيمة إلا أننا نجدها تخالف هذا الواقع ليتعرض لقضية الحارة وما بها من قضايا فنجده يبدأ بعرض سريع لقضية الواجهة الاجتماعية من خلال سعي بطل الفيلم ونجل المزين “حلاق الحارة” إلى إثبات الذات ويضع قضية التعليم على رأس تلك الأولوية لنجد المشاهد الأولى منه تتمركز حول الدعاء للبطل بالنجاح والتوفيق في شهادة الدبلوم العليا “شهادة البكالوريوس”، فيجعل الكاتب الصراع على الواجهة الاجتماعية من خلال التعليم.

لقد أرخ صناع الفيلم بفضل جرأتهم في الخروج عن المألوف والمتناول لقالب شبه دائم للصراع بين الخير والشر استمر لفترة زمنية طويلة توقفت مطلع السبعينات، فعنصر الصراع داخل الفيلم كانت حاضرة فيه المحبوبة بشكل شبه دائم بل يكاد يكون طاغي على جميع الأحداث بدءًا من تطلع حسين فهمي للشهادة من أجل أن يظفر بقلب فاطمة رشدي وينال رضاها في الزواج بعد أن يحقق لها الواجهة من خلال تمكنه بفضل شهادته من الحصول على وظيفة ومكانة مرموقة داخل المجتمع، ثم ينتقل الصراع من أجل المال بعد حجز المعلم عترة على محل الحلاقة الخاص بوالد البطل ثم الذروة بتكاتف الجيران مع حسين صدقي وبالتحديد جاره الحانوتي في دفع الدين عن ابن حارته.

وبتأمل الصراع والخط الدرامي لهذا الفيلم نجد أن هذا القالب المرسوم في العزيمة ظل متحكمًا بالسينما المصرية قرابة الثلاثين عام؛ فبفضل النجاح الذي حققه هذا الفيلم نجد أن معظم أفلام هذه الحقبة الزمنية والحقبة التالية لها ظلت حبيسة لفكرة الصراع من أجل الحبيبة وصراع فتوة الحارة مع هذا الفقير من أجل الظفر بالفتاة الجميلة ويكون سلاح هذا الفقير هو التعليم أو الوساطة للتغلب وأحيانًا يكون صراع صاحب النفوذ مع الطبقة الوسطى ليكون سلاح ابن الطبقة الوسطى التعليم لنيل مراده لكن هذا النمط من الصراع لم يظهر إلا بعد عزل الملك فاروق من قبل الضباط الأحرار عام 1952، لكن هذا لا ينفي وجود هذا الشكل قبل عزل الملك ولكنه لم يكن بنفس الصورة، ولعل الرغبة السياسية في محاولة إظهار مساوئ الماضي ساعدت على هذا ويمكن من خلال هذه النقطة تفسير استمرار فكرة المحبوبة ورجل الحارة الشرير حاضرة في السينما طوال تلك المدة فرجل الحارة الشرير كان دائم الحضور، فنجده في فيلم إسماعيل في البحرية هذا الرجل الحائل بين البطل وبين محبوبته أو في هيئة الباشا ابن الذوات في فيلم رد قلبي.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق