ثقافة وفنون

العرب وملء العقول في زمن البطون الخاوية

العرب وملء العقول في زمن البطون الخاوية.. تقاس درجة تقدم الشعوب ورقيها من خلال علاقتها بالكتاب والقراءة وعن طريق إسهاماتها الثقافية ومدى تعطشها للنهل من أنهار المعرفة.

ففي أي درجة يقف العربي لو اعتبرنا المعرفة وحب طلبها درجًا طويلًا؟

أ تراه قابع أدناه أم أنّه يتسلق رويدًا بعض الدرجات مراوحًا حاله بين صعود ونزول تلازَمًا مثل الليل والنهار؟

من السهل في زمن الانترنت والمعلومات التي تلقى على قارعة الطريق كما يقول الجاحظ أن نطّلع على آخر الأرقام المتعلقة بنسب المطالعة لدى المواطن العربي وعدد المنشورات السنوية وعدد دور النشر ونشاطها، ولكن لسنا بصدد عرض رقمي أو سرد لوقائع، بل السياق سياق تحليل لوقائع لا تستحق السرد إذ هي بيّنة ومعلومة للجميع.

يقول الكاتب والمفكر اللبناني ميخائيل نعيمة: عندما تصبح المكتبة ضرورة كالطاولة والسرير والمطبخ، عندها نصبح متحضرين.

وهذا القول يدفعنا إلى التفكير في الوضع الحالي للمواطن العربي، الذي مازال يصارع من أجل الحفاظ على المكتبة، وعلى خيط وصل مع المهلهل والسموأل والغطاريف الأوائل، وجرعة حياة يستقيها من سير السابقين.

وعندما نقول إنه يصارع، فليس في القول مبالغة، بل إن مجانبة الصواب تكون لو قلنا إنه أضاع الكتاب والمكتبة، وتكون أبشع لو قلنا إنه نجح في إيلائها مكانتها المنشودة والمستحقة.

ليس في الأمر وجه من أوجه الغرابة عندما نتحدث عن حقبة من الزمن لم يشهد لها العرب مثيلًا.

فهذه سوريا، ارتبط اسم عاصمتها دمشق بالشاعر الكبير نزار قباني الذي صاح قبل ثلاثين عامًا:

العرب وملئ العقول في زمن البطون الخاوية

نريد جيلاً يفلح الآفاق وينكش التاريخ من جذورهوينكش الفكر من الأعماق

ولكن هذا الجيل الذي ودّ النزار لو أنه يفلح الآفاق قد تساقط كما في الخريف تسقط الأوراق. لقد لجأت سبعة ملايين زهرة خارج سوريا بعد 2011.

فهل بوسعنا أن نتكلم أو نشير ولو همسًا إلى مسألة الكتاب وقضية الفكر عندما تصبح القضية الأولى هي الإنسان؟

وهذه العراق بعد عز بابلها ومجد بصرتها وكوفتها قد تشظت بعد أن كانت منارة للمبحرين في دروب العلم والمعرفة، استحالت ساحة للصراع والاقتتال ولا صوت فيها يعلو فوق عزف الرصاص ودوي قنابل الموت.

مادام المواطن العربي موضوع التحليل، بوسعنا إدراك الجزء الأعظم من أزمته بعد مثالي سوريا والعراق لوحدهما، دون حاجة كبيرة للمرور بباقي النكبات من طرابلس الشرق إلى طرابلس الغرب وما بينهما.

يبدو أن كلّ معايير المقارنات بين الشعوب التي تقرأ وتلك التي لا تقرأ أو لنقل تلك التي ما وجدت للقراءة والعلم سبيلًا، تتحطم أمام معايير أخرى يتجاهلها العالم عندما يلقي في وجه العربي أرقاما قد لا يعبأ بها ولكنها تستقرّ في موضع الآلام والخيبات في قلبه المرهق.

إنّ وجود كتّاب وقرّاء وباحثين بالعدد الحالي، في الظرف الحالي، لهو مبعث للأمل والفخر قبل أن يكون مجلبة للقلق واليأس. فتنسيب الأمور ضرورة حتى يصبح للمعنى معنى، وكي نعدّل أوتار العزف المنفرد على إيقاعات متكاملة لا تقتصر على إحداها فقط.

لا يمكننا ملء العقول والبطون خاوية، أو رسم الربيع في أذهان أبنائنا الذي ولدوا في شتاء شديد القسوة. ومع ذلك، فإن العربي مازال يحاول ويسعى جاهدًا من أجل ذلك، والقول أنّ فشله جزئي يعني أن هناك نجاحًا جزئيًا أيضًا.

علينا أن نستثمر في نقاط القوة لا الضعف، والبناء على القليل الموجود لا البكاء على الكثير المفقود. بل أبعد من ذلك، يمكن للوضعية المتأزمة في أغلب البلدان العربية أن تمثّل وقودا غزيرًا لإبداع كبير سيتولّد كرّد فعل طبيعي وحتمي مثل انهمار المطر بعد تكدّس الغيم طويًلا.

فأعظم الأعمال الأدبية التي خلدها التاريخ هي تلك التي نبعت في زمن الجماجم المتناثرة والدماء الجارية، لأنها تنضح بالشعور وثورة الإحساس في قلب مبدعها.

لإن أجمعنا على وجود أزمة في ما يخصّ علاقة المواطن العربي بالكتاب والمعرفة، فإنّه من الضروري الأخذ بعين الاعتبار شمولية الأزمة لا تبريرًا وإنما تفسيرًا من أجل افتكاك الفرصة وانتهازها عندما ينجلي الليل عن سماء العرب.

بسام ساحلي

كاتب تونسي مستقل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى