سياسة وتاريخ

العراق 2030: نحو رؤية استراتيجية تنقذ الاقتصاد من عثرته

من العوامل الأساسية التي تسعى إليها الدول عمومًا، والعراق على وجه التحديد، هو تحقيق الأهداف القومية وذلك عبر وضع خطط واستراتيجيات لأهداف طويلة الأمد، وآلية التعامل مع الظروف الآنية، والحفاظ على الأهداف، وتجاوز العقبات، من خلال التعاون بين الفرد المواطن والمجتمع بشكل عام مع الحكومات وصناع القرار.

المجتمع هو حجر الأساس في إنجاح أي رؤية وخطط تطوير يرسمها صناع القرار، وإذا كان المجتمع متعاون سوف يذلل الكثير من العقبات للإنجاز والوصول إلى الهدف. وفيما يلي أمثلة على دول نهضت من كبوتها وحققت أهدافها القومية والاستراتيجية:

بعد خسارتها الحرب.. اليابان تبحث عن هوية جديدة

حددت الحكومة اليابانية أسباب عدم تعاطف المجتمع الدولي معها بعد أن تعرضت إلى هجمات بقنابل ذرية في مدينتي هيروشيما وناكا زاكي.

واكتشفت الحكومة اليابانية بعد البحث المتواصل، أن السبب في عرقلة إمكانية تحقيق الأهداف القومية يكمن في أخلاق الجيش الياباني وتعاملهم من مواطنين المناطق التي احتلتها طوكيو؛ حيث كانت تقتل وتسرق وتغتصب ولا تحمل أي نوع من أنواع الإنسانية والأخلاق تجاه الآخر.

من هنا عملت الحكومة اليابانية على تحسين الأخلاق في الشعب حتى أصبحت المدارس للأطفال هي عبارة عن مؤسسات أخلاقية تغرس في عقول الأطفال حسن التعامل وحسن الأخلاق خلال المرحلة الابتدائية وأهمية العمل الجماعي والفريق الواحد من أجل الوصول إلى الأهداف.

قامت طوكيو كذلك بزرع روح الإنتاج، والقضاء على الكسل، وزيادة الإصرار والعزيمة، من أجل تكوين مجتمع منتج نشيط مخلص ومنضبط في عمله.

كان الشعب الياباني يدرك أهمية العمل الجماعي وإيجاد هوية جديد لليابان بعد أن كانت هويتهم بلد عسكري ومحتل إلى هوية صناعية وعلمية إنتاجية،

وقامت الحكومة برسم شكل الهوية الجديدة لليابان “الهوية الصناعية” وأوضحت للشعب الياباني أنه هو المسؤول الأول لإنجاح هذه الرؤية وأنها سوف تعود بالمنفعة عليهم كأمة. وساهم الشعب الياباني بإنجاح هذه الرؤيا وعمل بإخلاص تحت قيادة حكيمة هدفها واحد (هوية اليابان الصناعية) وكذلك الأخلاقية.

صورة لمدينة يابانية

رؤية ماليزيا 2020

كانت ماليزيا تحت السيطرة البريطانية، وبعد الاستقلال كانت هناك نزاعات عنصرية بين مكونات الشعب الماليزي المكون من (الملايو والصينيون والهنود) وكانت ولا تزال النسبة الأكبر هي المكون الملايو بنسبة 68%.

ووصل إلى الحكم رئيس وزراء طموح وصاحب رؤية واضحة أسماها (ماليزيا 2020) أطلقها مهاتير محمد عام 1991، أي إنها ترسم شكل ماليزيا لما بعد 30 عام.

أرست الحكومة مجموعة من الثوابت الجديدة للاقتصاد الماليزي تستهدف تحقيق الأهداف القومية وذلك عبر الانسجام المجتمعي ودور كل مكون في نهضة ماليزيا الاقتصادية، ولم تقص الدولة أي مكون بل تعاملت مع المكونات بسياسة تساهم في إنجاح الرؤية الماليزية.

وقد حصلت الحكومة على دعم كبير من الشعب الماليزي؛ وذلك لإيمانهم بأهدافها، وإدرك المواطن حجم دوره في نهضة البلد بعد أن حصل على المساواة وشعوره بالمسؤولية تجاه الآخر.

وعندما يشعر المواطن بالمساواة وحجم المسؤولية التي على عاتقه، وشعوره بأن البلد الذي يعيش فيها هي بيته الكبير له حقوق وعليه واجبات، وأن أبناء البيت الواحد جميعهم متساوون في الحقوق والمسؤوليات، هنا سوف تؤسس لمجتمع متعاون يشارك في تحقيق الأهداف القومية التي يرسمها صناع القرار، وسوف يكون المواطن أكثر حرصاُ للحفاظ على هوية بلده.

المساواة في الحقوق، والابتعاد عن الانحياز بين مكون وآخر أو مواطن على حساب الآخر، والتعامل مع الجميع على مسافة واحده؛ سوف يقضي على التنافس الغير صحي بين مكونات اي مجتمع.

تحقيق الأهداف القومية

عراقيًا: الطريق إلى تحقيق الأهداف القومية ولو بعد حين

العوامل الداخلية وتحقيق الأهداف القومية

تشمل: ثقافة المجتمع، اهتمامات المجتمع، التنوع، التعليم، التعصب الديني والقومي، المصادر الطبيعية، الفئات العمرية وهنا تعني “الأيدي العاملة” المتوفرة، الانتشار السكاني، الإيمان وهذا يندرج أيضًا ومشابه لما يعتبر التعصب الديني.

نسبة تأثير العوامل الداخلية هي أعلى من مستوى نسبة تأثير العوامل الخارجية، حيث إن المصدر الأساسي لنهضة أي بلد هو المجتمع؛ فإذا كان غير منتج وغير متعلم ومشتت الاهتمام والآراء ومتعصب دينياً وقومياً سوف يعرقل إنجاز تطلعات أصحاب القرار والوصول الى الأهداف المنشودة. ويكمن التحدي الأكبر في تحقيق الأهداف القومية من الداخل و انتماء الشخص لمحيطه المجتمعي.

وفيما يتعلق بالمجتمع وطبيعة الفرد العراقي، فإنه شخص متعصب نوعاً ما ومشتت الأهداف والاهتمامات، ينتابه انقسامًا في الولاءات والانتماءات، ووجود نوع من عدم الثقة بين مكونات المجتمع، وتخلف التعليم، وصعوبة تقبل الآخر؛ وهذا يعلل تعامل الحكومات المتعاقبة في جميع مراحل تاريخ العراق الحديث. حيث فشلت جميعها في زرع مفهوم المواطنة بالشكل الصحيح.

وتعد جميع توجهات الحكومات المتعاقبة منذ تكوين الجمهورية العراقية، توجهات لفئة معينة أو مجموعة تفضل طائفة على أخرى، حيث أولت فترة الحكم العسكري اهتمام مباشر للطبقة القومية والعسكرية ولحزب على حساب الآخر، وبعدها جاء حكم الحزب الواحد الذي قام بتهميش طائفة والتعدي على حرياتهم الدينية؛ مما أدى إلى تكوين فكرة السيطرة من قبل مكون على الآخر وذلك من أجل الانتقام وفرض الرأي كما تم فرضه عليهم في السابق.

يشار إلى أن الحكومة أطلقت استراتيجية التنمية المستدامة 2030، تمكن الاقتصاد العراقي من الانطلاق نحو سياسات اقتصادية سليمة قدر الإمكان، وبالتالي تحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي.

وأصبحت قرارات الفرد، نتيجة للعوامل السابقة، مبنية على أساس عنصري أو طائفي واتباعٍ لمن يدعي دعمه لشريحة معينه على حساب الأخرى بعيداً عن الإجماع على المصلحة العامة ككل.

العوامل الخارجية وتحقيق الأهداف القومية

تشمل: المحيط الإقليمي، الموقع الجغرافي، العلاقات الخارجية، السياسة الخارجية، التحالفات، الاقتصاد العالمي، التجارة العالمية، الديون المتراكمة، سيادة الدولة.

التأثيرات الخارجية المتمثلة بوجود عوامل خارجية تؤثر على تحقيق الأهداف القومية المرسومة من قبل صناع القرار، والتي تصنف تحت الضغوط السياسية، والتدخلات العسكرية الخارجية، ودعم عدم الاستقرار الأمني من قبل الدول التي تحرص على عدم وصول أصحاب القرار إلى الهدف لأن ذلك سوف يؤثر نوعاً ما على السيطرة الإقليمية وسوق المنتجات التابعة لهذه الدول أو السيطرة على الموارد الطبيعية لصالحها.

ومن ضمن العوامل الخارجية الأخرى هو الاقتصاد العالمي بشكل عام، وأسعار الموارد الطبيعية التي تشكل الهيكل الأساسي لاقتصاد بلد مثل العراق. لكن يبقى تأثير العامل الخارجي أقل تأثيراً من الداخلي في حال وجود قاعدة مجتمعية صحية تدافع عن الأهداف ولا تساوم على مصالح البلد والترابط المجتمعي.

التعامل مع كبوات تعترض الرؤى الاستراتيجية

يكون التعامل مع المعارضين لآليات الدولة من أجل تحقيق الأهداف القومية على أساس مبني على الأسباب والحقائق من خلال فتح باب الحوار المستمر، والاهتمام بجميع الآراء أو الانتقادات التي من الممكن أن تكون بناءه بشكل من الأشكال وتساعد على تجاوز الكثير من الأخطاء المستقبلية، وكذلك إعطاء فرصة للجميع لأن يصبحوا جزءًا من إنجاح هذه الرؤية والأهداف.

يضاف إلى ذلك، الإيمان بالإصغاء إلى الجميع، وعدم تهميش رأي على حساب رأي آخر، وفتح منصات للمجتمع للمشاركة في رسم الخارطة الصحيحة لمستقبل البلاد. كما يؤخذ بالاعتبار أن مساهمة الفرد في اتخاذ القرارات بشكل عام سوف يؤدي إلى إيمانه المطلع بالسياسة المتبعة للوصول إلى الأهداف.

بناء ثقه بين الحكومة (صناع القرار) وبين المواطن (الفرد) يأتي من خلال رسم سياسة وأهداف واضحة، يعمل على تحقيقها صناع القرار، ويلتمس إيجابياتها المواطن؛ هو أساس الثقة ما بين صانع القرار وما بين الفرد.

من هنا تأتي أهمية وجود رؤية واضحة وخطة عمل ثابتة لفترة زمنية لا تقل عن العشر سنوات، لا تتأثر بتغير الشخصيات أو القيادات أو صناع القرار.

 

 

 

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

حمزة الحردان

شاب ومهندس نفطي عراقي ملم بالسياسة والأقتصاد وتطوير المجتمع. أحلم بعراق آمن، مستقر، مستقل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق