مدونات

العراق بين جنة أربيل وجحيم بغداد

أكثر من يسكن ويعيش في العراق اليوم يعلم كم هي المسافة التقديرية بين بغداد وأربيل جغرافياً، فأنت لا تحتاج سوى أقل من ساعة بالطائرة حتى تهبط قادماً إلى بغداد من أربيل والعكس صحيح..

فالمسافة بين المدينتين قريبة جداً جغرافياً؛ لكنها وللأسف الشديد بعيدة جداً سياسياً وأمنياً، فمن يسير في أربيل ليس كمن يسير في بغداد.

فسابقاً كانت بغداد المدينة التي يُشدّ إليها الرحال فهي أم الحضارات ومنبع الأصالة والتاريخ العريق، لكن بغداد التي كانت علامة منيرة بين جميع البلدان باتت اليوم مصدر قلق وخوف ونزاع ورهبة لكل من يسكن فيها، فالمدينة التي كانت تحتضن كل من تطأ قدمه ترابها باتت اليوم تضيق أكثر وأكثر على ساكنيها، وهذا الأمر مرده بمجمله إلى السياسة الفاشلة التي خنقت بغداد بنقاط التفتيش الكثيرة وامتلاء الشوارع بالسيارات المخالفة وتخسف وخراب غالبية الطرق، لكن الأخطر من كل هذا وذاك هو تحول هذه العاصمة إلى جبهة عسكرية يصول ويجول فيها المسلحون بأسلحتهم الثقيلة مهددين أمن وسلامة مدينة السلام، وهذا الأمر مختلف بشكل كلي وكامل عن أربيل التي وصلت اليوم إلى درجة عالية من الآمان والاستقرار حتى أصبحت حقيقة قبلة الأمان لكل من يدخلها..

وهنا إذا أردنا معرفة السبب الحقيقي الذي أوصل بغداد عاصمة السلام والآمان إلى هذه الدرجة من الانفلات الأمني والسياسي والعسكري، وجعل بنفس الوقت إقليم كردستان عاصمة الآمان والسلام الحقيقي علينا أن نتحدث عن المنظومة الاستخباراتية لكل من بغداد وأربيل، فاليوم جميع الدول في العالم المتقدم والنامي وحتى الدول المتخلفة والمتراجعة تعلم أن سلامة نظام جهاز الاستخبارات في الدولة يعني سلامة وصحة الدولة بالكامل، وهذا ما وعته وأدركته حكومة إقليم كردستان وهو ما تمكن جهاز استخباراتها من تحقيقه خلال السنوات الماضية.

بالمقابل لم تستطع الحكومات المتلاحقة في بغداد من تحقيقه، فبدل أن تتحول عاصمة العراق الأزلية بعد عام 2003 من تحقيق الديمقراطية المنشودة والأمان والازدهار والسلام للشعب العراقي، رأينا كيف انقلبت الأمور رأساً على عقب، لتصل جميع مؤسسات الدولة إلى حالة تفكك كبيرة وواضحة، بدءاً من مؤسساتها الأمنية والعسكرية وصولاً إلى جميع مرافق الدولة، وهذا بالتحديد ما جعل السلاح ينفلت بيد الصغير والكبير، وهو ما جعل هذا السلاح المنفلت يقوى يوماً بعد يوم إلى أن يصل إلى درجة الهيمنة على الدولة الحقيقية مهدداً أي سياسي صغير كان أو كبير أن يكون جزءاً من منظومة التشقق والانفلات هذه، ولم يقف الأمر هنا بل أصبح السلاح المنفلت يسير في شوارع بغداد بكل قوة، وبتنا نسمع عن قصص الاغتيال والتصفية والتهديد وكأننا نعيش ضمن فيلم يتحدث عن عصابات المافيا وعصابات قُطّاع الطرق في دولة منهارة سياسياً وأمنياً..

هذا دوناً عن النزاعات العشائرية التي حقيقة كل من يراها يظن أنها ساحة حرب مشتعلة، فالأمر لا يقتصر على استخدام السلاح الخفيف بل تطور الوضع إلى استخدام القنابل والصواريخ والقاذفات المسيرة في نزاع عشائري على حدث قد يخجل الشخص من ذكره.

لكن الأمر سيختلف كلياً إذا ما تحركت البوصلة نحو أربيل، وهنا لا ننكر أن هناك حالات فردية قليلة ممن يحملون السلاح الخفيف لكنهم لا يجرؤون حتى على إخراجه علانية، فلا مظاهر تسلح، ولا جبهات عسكرية بين العشائر ولا استعراضات مسلحة ولا حتى حمل السلاح الخفيف أو المتوسط علانية في شوارعها التي لا تبعد سوى أميال معدودة عن حالة الانفلات في بغداد.

ليصل العراق اليوم إلى أن يكون بسبب تفاوت الانضباط الأمني بين حالتين متناقضتين كلياً، حالة من الجحيم في بغداد وحالة من الهدوء والسلام في أربيل، ومرد هذا التناقض بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم، سبب واحد لا اختلاف عليه؛

وهو انضباط وقوة أجهزة الأمن في اربيل التي وصلت إلى صناعة استراتيجية حقيقية ضمن مؤسساتها الأمنية، وهو ما لم تتمكن بغداد من فعله

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى