مدونات

العد التنازلي… على مشارف الخمسين

عندما تجد نفسك فجأة على مشارف الخمسين من عمرك .. فإعلم إنك في مفترق الطرق ولا بد لك من أن تغير نظرتك المعتادة إلى الحياة .. لأنك سوف تكتشف فجأة إنك عشت حياتك تافها كل ما كان يهمك أن تعيش الحياه بكل متاعها وملذاتها ..ربما كنت تعشق نفسك .. و تحلم بتحقيق ذاتك وكيانك … كنت تريد أن تصبح انت .. و كنت لا تعيش إلا لك ..

بالرغم من أنك مررت كثيراً بتجارب كانت أحيانا قاسية وتعاملت من خلالها مع كل أنواع البشر .. سافرت و تغربت و قاسيت وتعذبت وكنت تتعثر و تسقط ثم تنهض.. واستطعت أن تكمل طريقك .. تعلمت الكثيرمن تجارب الحياه .. بل أكثر مما كنت تحلم به .. مررت بتجارب كثيرة بعضها كان نافعاً ومعظمها كان الأسوأ ..اكتسبت بعض الأموال في الدنيا.. و فشلت في حسن استثمارها كما يجب و لو حتى للأخرة.. ولم تستسلم لليأس بل عدت قوياً لتقاتل مرة أخرى في الحياه فكافحت كفاحاً مريراً حتى استعدت نفسك مرة أخرى وأنعم الله عليك بالاستقرار فتزوجت و أنجبت الأبناء و رزقت بالأحفاد ..

وبعد أن حققت ما تريده و أصبحت أنت كما تريد .. إلا أنه كان هناك دائماً شيئاً ما داخلك لا يفارقك أبدا كان كظلك لم تستطع التخلص منه نهائياً لأنك كنت تجهله أثناء لهوك وصراعك في الحياه الدنيا….كان كأنه نقطة ضعف لا تستطيع أن تتخلى عنها و لا تستطيع أن تتخلى عنك … و بدأت الأحوال تتغير و بعد الحيرة و التفكير أخيراً اهتديت إليه ..كان هو ذلك الإحساس الدائم بالقلق من كل شئ من حولك.. أمس و اليوم و غداً و ما بعد ذلك ..

ربما لأنك لم تكن تفكر أبداً في حقيقة وجودك في هذه الدنيا و فيما كانت أسباب وجودك في تلك الصورة و الشخصية التي أنت عليها الآن وبدأت تتساءل في داخلك وتبحث عما هي الأسباب و الدوافع التي جعلتك تسير بك إلى هذا الدرب لتصبح أنت كما أنت عليه الآن.

ربما لأنك كنت تكتفي سابقاً بالنظر في محيط نفسك فقط .. أو ربما لأنك لم تحسن التأمل كما ينبغي فيما حولك من أحوال البشر و الدواب و الشجر و السماء والجبل و الصحراء .. وكان إذا مر بك المطر أو الرعد أو البرق أو اشتدت الريح .. أو تشاهد أي كارثة على التلفاز أو في صفحات الجرائد كنت تقلق في داخلك وتحاول أن تختبئ … لماذا لم تكن تدري أكان إحساس بالخوف أم بالقلق ! …

وحتى عندما تعرضت البلاد لزلزال صغير .. لم تكن تعرف ذلك الشعور بالرعب الذي امتلكك لوهلة إلا ربما كان من الخوف من شيئاً ما بداخلك ربما يكون الموت المفاجئ دون أن تحقق ما تمنيته كله .. أو ربما كان الإحساس بنقص ما داخلك…….. وبعد أن حققت معظم ما كنت تحلم به إلا أن مرحلة القلق لم تنتهي إلا بمجرد إنك اكتشفت إنك على مشارف الخمسينات فأصبح كل ما كنت تحلم به و تريد أن تحققه تراه الآن تافها .. وتمنيت لو استطعت أن تعود إلى بداية خروجك من شرنقة البلوغ و بداية مرحلة الشباب والرجولة لتستعيد خطواتك من جديد و تنقية أفكارك و أفعالك من الشوائب … لكن هيهات هيهات فقد تقلص الوقت والزمن و فقدت شبابك و أصبحت فجأة كهلاً …تغيرت ملامحك عندما نظرت إلى المرآة .. فلم تعد هذا الشاب القوي الوسيم سابقاً.. لقد ظهر الشيب في شعرك وظهرت تجاعيد الزمن في جبهتك ..

فجأة بدأت تشعر بالندم على ما فاتك و عدم حسن استخدام النعم التي أنعم الله عليك بها سابقا ..يا لها من صدمة عندما تكتشف إنك من بعد القوة و الشباب والطموح .. أصبحت إنسان أخر… يفكر بشكل آخر و أن ما مر من حياتك سابقاً يختلف عما تنتظره مستقبلاً ..فجأة أصبحت الحياه قصيرة جدا بالنسبة لك .. فبعد الغرور واندفاع الشباب تجد صورتك تغيرت .. أصبحت أبيض الشعر ضئيل الحجم ضعيف القوة .. صرت عجوزا و لم يتبقى لك إلا القليل لتعيشه فتصارعت داخلك الأفكار بسرعة … فأصبح لا بد لك من الاستعداد لمرحلة ما قبل النهاية .. تكتشف فجأة إنها سنة الكون وكأنك كنت في رحلة طويلة من الغيبوبة بدأت بمرحلة الميلاد ثم مرحلة الصبا و الشباب ثم مرحلة الرجولة وأخيراً وصلت إلى مفترق الطريق قبل نهاية المرحلة الأخيرة و نهاية رحلتك في الحياه الدنيا .. ترى هل كنت تستعد لهذه المرحلة .. أم كنت عبداً للدنيا و شهواتها ..؟ هل ينفعك ذكائك ومكرك الذي ظلت فيه دائماً ..؟…

هل ينفعك مالك أو زوجك أو أبناءك أو أهلك .. ؟ هل ينفعك أصدقائك المقربين أوالمخلصين أو حتى الحي أوالوطن الذي كنت تعيش فيه بينهم ؟ … هل ما زلت تعيش في حيز مغلق من الشعارات و الكيانات والقرارات والنزاعات والمجادلات .. هل ما زال لديك أعداء أو خصوم .. حسناً ليس هناك مجال للتفكير في كل ما سبق .. لا بد أن تترك كل ذلك خلفك فلن ينفعك في موتك أي منهم مهما كان مخلصاً لك .. سامح كل من ظلمك و رد الأمانات والمظالم إلى أصحابها بل دع كبرياءك و اطلب الصفح من أعداءك .. فأنت الأن في أشد الاحتياج إلى التقرب إلى الله تضرعاً و خيفة بأن يغفر لك ما تقدم من ذنبك .. بأن يرحم ضعفك ..

أنت في حاجة ماسة إلى أن تبتهل إليه في ظلمات الليل بأن يعفو عنك و يحسن خواتيم أعمالك .. ليس لديك في الدنيا ما تحارب من أجله لأنك أساساً خلقت لتعبد الله و تعمر الأرض و تدعو إلى ما أحل الله و تنهى على ما حرم الله .. ليس لديك إلا أن تصلى على الحبيب محمداً صلى الله عليه و سلم لتنول شفاعته و تسقى من حوضه .. ليس لديك إلا أن تتزود بالتقوى حتى تنقذ نفسك في حياتك و في قبرك و في آخرتك ..الآن يجب أن تتجرد من كل مشاعر الدنيا بزخرفها .. لا بد لك من أن تزهد كل شئ حتى تصل بسلام إلى محطتك الأخيرة إما السعادة الأبدية و إما الشقاء الأبدي …

اختار قرارك بنفسك فالوقت ينفذ منك .. ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

يحيي فؤاد الشلقاني

أنا مجرد عابر سبيل فان ينتظر نهاية آجله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى