سياسة وتاريخ

العثمانيون والمغاربة :قصة الحلم التركي العصي!!!

عرفت العلاقات المغربية العثمانية نوعا من الصراع والتوتر على مر التاريخ، صراع قوي بين أصحاب الأرض والقادمون من الأناضول، الأتراك ورغبة منهم في بسط السيطرة على أهم المواقع الحساسة، كانوا يضعون الدولة المغربية التي تعرف صراعات داخلية وخارجية كثيرة نصب أعينهم، لكنهم فشلوا في ذلك بالرغم من المحاولات العديدة.

والبرغم من إختلاف موازين القوة بين البلدين، إلا أن المغرب ظل حلما عصيا على الأترك، فالدولة العثمانية والتوسعات الكبيرة التي قامت بها بمختلف دول العالم، وأمام قوة وجبروت جيشها، إلا أنها لم تفلح في دخول الدولة المغربية وذلك لعدة أسباب، منها ما يتعلق بقوة المغاربة ووعورة جغرافيتهم، ومنها ما يتعلق بمكر المغاربة وبعد أرض المرابطين على مركز القيادة والسيطرة التركية.

منذ بداية المد العثماني وتوسعه عبر مختلف بقاع العالم، وخاصة دول أوروبا والشرق الأوسط، كانت الدول الإفريقية آخر ما يتطلع إليه العثمانيون، فالإمبراطورية العثمانية لم تهتم بشمال أفريقيا  كونهم بعيدون عن مركز القيادة في إستانبول، بالإضافة إلى ذلك وعورة طبيعة هذه الدولة وشراسة سكانها في الدفاع عن بلدانهم.

ورأت الدولة التركية أن أي دخول لهذه البلدان سيكون خسارة لها ونكسة لجيشها، وإنتظرت الأوضاع التي كانت تعرفها المنطقة، الصراع الإسلامي الإيبيري ورحلة الكر والفر بين الجنوب الإسلامي والغرب المسيحي، لكن موقف الأتراك سيتغير مع الوقت وتراجع العثمانيون عن موقفهم الأول، بعد المطالب المتكررة من حكام الجزائر، والاستنجاد بهم من أجل وقف الغزو الإيبيري لسواحلها، فعروج وأخوه خير الدين الباب العالي، طلبا من الدولة العثمانية الدخول إلى الجزائر وبسط السيطرة عليها مقابل التصدي لهذا الغزو، وبذلك دخلت الجزائر تحت النفوذ العثماني وأضحت خاضعة لها، ما جعل الأتراك يرغبون في بلوغ المحيط الأطلسي وضم بلاد المغرب أيضا .

وبهذا يكون النفوذ العثماني بالغرب الإسلامي قد تقوى طواعية، بعيدا عن الحروب أو الغزو كما حصل في بقاع عديدة من العالم الذي دخلوا إليه فاتحين أو غزاة، وأمام سهولة دخول دولة الجزائر، فقد كانت الدولة العثمانية تراقب الوضع الداخلي والخارجي للمغرب، خاصة وأن الأخير كان يخوض صراعات وحروب طاحنة مع الدول الإيبيرية، ولم تصرف الدولة العثمانية نظرها نهائيا عن المغرب، بل وصعته هدفا أوليا بعد الجارة الجزائرية، بالرغم من كل التحذيرات التي كانت تصل الصدر الأعظم في إستانبول، كون أن أي حطوة تجاه المغرب ستكون خسارة ومقبرة للجيش العثماني.

فلم تفكر بعدها في مسألة الغزو، كل ما سعت إليه تركيا بعدها، ذكر إسم السلاطين العثمانيين في خطب الجمعة الشيء الذي كان يرفضه المغاربة جملة وتفصيلا، شعبا وحكاما، فسلاطين المغرب رفضوا الخضوع لتوصيات الدولة العثمانية ولم يقبلوا بذلك، معتبرين أنفسهم الأحق والأولى بذلك من العثمانيين لأنهم ينتسبون إلى آل البيت، لكن البعض قبل به مثل عبد المالك السعدي في حين رفضه أحمد المنصور الذهبي الذى تلقب بالخليفة.

كانت الدولة العثمانية تدرس بكل عناية السيطرة على المغرب لكنها كانت تبدي تخوفا كبيرا من التحالف المغربي مع الدول الإيبيرية، لقد كانت تخشى ولادة تحالف سعدي إسباني، بعد سقوط الحكم في يد السعديين وأفول دولة الوطاسيين التي كانت موالية لهم نوعا ما، وإستنجدت بهم كثيرا ضد السعديين، وأمام قوة السعديين وما ألحقوه من هزائم بالعثمانيين في فاس وغيرها من المدن المغربية، كان لزاما على العثمانيون التفكير في صرف نظرهم عن غزو المغرب، وبداية فشل حلمهم بالوصول إلى المحيط الأطلسي .

وأمام هذا الوضع الذي جعل من الدولة السعدية يخافها الجميع، كان أحمد المنصور الذهبي، يبني جيشه ويقوي نفوذه بمختلف مناطق المغرب خصوصا وأن الدولة العثمانية والقوة الإيبيرية يتصارعان على المناطق الحساسة، ونعني هنا الطرق التجارية المتوسطية والاطلسية، والتي كان المغرب أهمها.

يبدوا أن الدولة المغربية التي تقوت نوعا ما، كانت محظوظة وإبتعدت عن مطامح الأتراك بعد فشلهم الذريع في الحملة ضد مالطا، أو ما يعرف تاريخيا بحملة ليبانتو سنة 1568، حيث بدأ العثمانون بالتراجع عن مخططاتهم بضم الغرب الإسلامي، وخاصة الدولة المغربية السعدية، كما أنها لم تعد تقوى على مواجهة الأوروبيين، فأرغمت على الخضوع للأمر الواقع، وقبولها بتوقيع الهدنة مع الإسبان، هذه الهدنة الجديدة بين الدولتين العثمانية و الإسبانية، عجلت ببروز المغرب كدولة قوية على ضفاف المتوسط التي إستطاعت أن تكون مسقلة بعيدة على النفوذ العثماني، فما كان من العثمانيون إلا التفكير في الحلم الأبي إنضمام المغرب اليهم على الطريقة الجزائرية، لكنها فشلت في ذلك أيضا، فالسعديون تقوت دولتهم وأضحت مستقلة بذاتها قادرة على حماية نفسها وثغورها، وقد ظهر ذلك من خلال معركة واد المخازن، التي إنتصر فيها السعديون على مملكتين عظيمتين هما البرتغال والإسبان، وإسترجعت ثغورا عديدة دون الحاجة إلى سلاطين الدولة العثمانية الراضخين للإسبان والموقعين على الهدنة معهم.

لقد سجل التاريخ وإن كانت مصادره قليلة حول هذا الموضوع المثير للجدل، أن الدولة المغربية لم تخضع للحكم العثماني الذي توغل شرقا وغربا، وبقيت أبية بالرغم من كل الظروف، لم تطلب دعمهم ولا مساعدتهم، حمت نفسها بنفسها، قاهرة الملوك الثلاثة وباقي الطامعين، وقد رفض المغاربة ما لم ترفضه دول أخرى، وظلوا حريصين على مغربية الحكم والسيادة، ثم إن السعديين والعلويين الذين حكموا المغرب خلال الفترة العثمانية، كانوا يعتبرون أنفسهم أنهم من سلالة الأشراف وآل البيت، وخلافة الحكم بالمغرب والدول التي تحت سيطرتهم يجب أن تكون من نصيبهم لا من نصيب العثمانيين، أطلقوا على الحكام إسم السلاطين وبدأو بالدعوة لهم في المساجد خلال صلاة الجمعة مخالفين بذلك باقي الدول الإسلامية والعربية الأخرى. العثمانيون والمغاربة :قصة الحلم التركي العصي!!!

لقد حافظ المغاربة على أهم مرتكزات الدولة المغربية، وعلى أهم مقوماتها الثقافية والحضارية والتاريخية المستقلة ذات السيادة، بعيدا عن التهجين العثماني، ويبدوا ذلك واضحا من خلال العملة النقدية التي حملت أسماء ملوك المغرب وشعاراتهم ولم تحمل أسماء أوشعارات الدولة العثمانية وسلاطينها، ليظل المغربي عصيا على العثمانيين حتى في أحلامهم.

إقرأ أيضا: ماذا تعرف عن المغرب؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق