ثقافة وفنون

العتاب في اللغة العربية

تعد كلمة العتاب من المفردات اللغوية التي تتباهى بها اللغة العربية عن غيرها من اللغات الآخري، فالعتاب يكون بين الأهل والأحباب والأصدقاء والأصحاب والجيران وقد يكون أيضا العتاب مجازا لوطنك الأم وما قدمه ما يتولون زمامه وهل تقدموا به للأمام أم أعادوه للوراء خطوات، هل تم ترسيخ الأخلاق واتباع العلماء والخبراء واتخاذ البحث العلمي طريقا للتقدم والازدهار أم استخدام الإحتيال والمكر والخداع واللعب على جثث الأبرياء والتلذذ بمعاناتهم وتوجعاتهم وكسر إرادتهم وتحويلهم لحقول تجارب يفعل بهم مثل ما يفعله العلماء بالفئران بلى للأسف الشديد في لحظة ما تسود الرحمة بهم ويتم رعايتهم في مرحلة ما من مراحل التجارب عكس ما يفعل بالإنسان الآن.

معاجم اللغة العربية لم تترك لنا شيئا إلا وتم شرحه وتفسيره على جميع المستويات لمن أراد أن يغوص في بحر لغتنا المتوهجة التي لا تقارن، والتي ستظل حتى تقوم الساعة اللغة الفريدة الثابتة حتى من أيام العصر الجاهلي وقبل ظهور الإسلام وقد حفظها الله سبحانه وتعالى وكرمها بنزول القرآن الكريم بلسان عربي مبين، اللغة العربية يكون التكرار فيها جمالا وبلاغة وتشبيهات بديعة واستعارات مكنونة كالأجراس السحرية والبديهات الشجية والفرح الموصول والحزن الغير ممدود، إنما في اللغات الأخري يتحول التكرار فيها إلى سخف وسخرية وحماقة.

فلغتنا العربية ليست دخيلة أو مختلطة ولكن كل اللغات الأخرى هي من استعارت كلمات عديدة من لغتنا واللغات الأخرى وأصبحت خليطا سيء من المفردات والجمل والأفعال وإختفى النقاء منها عوضا عن تحريفها من عصر لآخر، الحرب على لغتنا ليست بالجديدة وإنما هي حرب مستمرة منذ قديم الأزل، فالمستعمر عندما لا يقدر على إحتلال أراضينا بالقوة يحاول بشتى الطرق احتلال لغتنا من على بعد وجعل أعيننا تتلألأ بلغته عندما جعلها اللغة الأساسية بالعالم لكي يجعلنا نترك لغتنا الشيء الوحيد الباق بحوزتنا وننساق عن طيب خاطر كالقطيع مسرعين لتعلم لغته وكل ما فيها من عادات وتقاليد غربية غريبة على مجتمعاتنا.

فالعتاب بكسر العين مصدره عتب وهو اسم ومعناه اللوم عى تصرف مكروه، وتشتق من أفعال كثيرة مثل عتب بالفتح التاء وعتب بتشديد التاء وعاتب واستعتب وتعتب، ويشتق منه أسماء أخري مثل التعاتب والعتبة والمعتب، العتاب شعور صحي يزيل الهم والكرب والألم الذي يستقر بالقلب ومن ثم يكون العلاج هو أن تذهب للشخص المقصود بالعتاب لتواجهه بما فعل أو قال أو اشترك مع الغير في شيء بعيد كل البعد عن المودة والصلة والقرب والإخلال بالزيارة وترك المعونة والضغط على الوتر الحساس والانفعال الذي يأتي في غير محله وما يشاكله وتحاول تثيه عن فكره الأهوج المندفع كرياح الخماسين العاصفة والسيول الكاسحة والألسنة السليطة المتكبرة المغرورة والمغرر بها والآنا وحب الذات وتدني احترام النفس البشرية والبخل في الدين والمال والإحسان وترك الفروض والعبادات ومشاطرة المنافقين والنماميين ومساندة العملاء والخونة والمتآمرين وبائعي الارض والعرض والشرف وتدعوه لإصلاح مساره وكسر الفرقة والرجوع لسابق العلاقة في متانتها وعنفوانها وبهائها.

لا يكون العتاب إلا ممن له موات يمت بها فهو مفارق للوم مفارقة بينة، وهناك فرق بين اللوم والذم، حيث أن اللوم هو تنبيه الفاعل على موقع الضرر في فعلة وتهجين طريقته فيه، وقد يكون اللوم على الفعل الحسن كاللوم على السخاء والذم لا يكون إلا على القبيح واللوم أيضا يواجه به الملوم، والذم قد يواجه به المذموم ويكون دونه، وتقول حمدت هذا الطعام أو ذممته وهو إستعارة ولا يستعار اللوم في ذلك، ورد الجذر عتب في القرآن الكريم خمس مرات والصيغ التي وردت بها بالفعل المضارع أربع مرات ” قالوا لايخرجون منها ولا هم يستعتبون” ومرة واحدة كاسم مفعول “وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين” وورد العتاب في القرآن بمعناه اللغوي وهو الإدلال ومذاكرة الموجدة.

تغنى الشعراء في أبياتهم الشعرية بالعتاب وأبدعوا في وصفه ومنهم على سبيل المثال:

الشاعر مصباح المهدي والذي قال عنه عبد الرحمن الأبنودي إنه المواطن الفقير الذي يئن تحت أقدام السادة، والذي يتحدث الجميع باسمه دون النظر إليه أو محاولة الاقتراب من أحواله، مونولوج شديد العتاب لمحبوبته مصر.

صوتي لحضن وطن

صوتي لحضن ماهوش كفن.

يا ضحكة بكر مامسهاش أوباش !!

 الشاعر ابن عنين
جَعلَ العِتابَ إِلى الصُدودِ تَوَصُّلا
ريمٌ رَمى فَأَصابَ مِنّي المَقتَلا
أَغراهُ بي واشٍ تَقَوَّلَ كاذِباً
فَأَطاعَهُ وَعَصيتُ فيهِ العُذَّلا
وَرَأى اِصطِباري عَن هَواهُ فَظَنَّهُ
مَلَلاً وَكانَ تقيةً وَتَجَمُّلا
هَيهاتَ أَن يَمحو هَواهُ الدَهرُ مِن
قَلبي وَلَو كانَت قَطيعَتُهُ قِلى

أمير الشعراء أحمد شوقي
على قدر الهوى يأتي العتاب
ومن عاتبت تفديه الصحاب
صحوت فأنكر السلوانَ قلبي
علىّ وراجع الطربَ الشباب
وللعيش الصبا فإذا تولى
فكل بقية في الكأس صاب
وما ورثت له عندى حبال
ولا ضاقت له عني ثياب

شاعر السيف والقلم محمود سامي البارودي
خَلِّ الْعِتَابَ فَلَوْ طَلَبْتَ مُهَذَّبَاً
أَعْيَاكَ مَطْلَبُهُ بِهَذَا الْعَالَمِ
إِنْ كَانَ لِي ذَنْبٌ إِلَيْكَ جَرَى بِهِ
قَدَرٌ فَإِنِّي مِنْ سُلالَةِ آدَمِ

 الشاعر القاضي الفاضل
عَدِّ العِتابَ فَما أَعَدتُ عِتابا
وَكَفَيتُكَ الإِقلالَ وَالإِطنابا
وَإِذا السَحائِبُ لَم تُغِثكَ بِقَطرَةٍ
أَلحَقتَ في نَسَبِ السَحابِ سَرابا
وَوَضَعتُ قَدرَكَ أَن يَكونَ سَحابَةً
وَرَفَعتُ قَدري أَن يَكونَ تُرابا
وَبَذَلتَ لي مَلَقاً وَقُلتَ كَرامَةً
أَسدَلتَها دونَ الرَجاءِ حِجابا

الشاعر العباس بن الأحنف
ما زِلتُ أُحذَرُ هَذا العِتابَ
مِن قَبلِ أَن أَستحِقَّ العِتَبا
وَكُنتُ عَلى وَجلٍ مُشفِقاً
أُطيلُ البُكا وَأَعِدُّ الجَوابا
أَلا تَرحَمينَ فَتىً مُغرَماً
بِحُبِّكِ يَسقي الدُموعَ التُرابا
فَما خُلِقَ الحُبُّ لِلعالَمي
نَ إِلا شَقاءً وَإِلا عَذابا

الشاعر بشار بن برد وهو شاعر مخضرم عاصر الدولة الأموية والعباسية
إذا كنت في كل الذنوب معاتِباً
خليلَك لم تلقَ الذي لا تعاتبه
فعشْ واحداً أو صلْ أخاك فإنِّه
مقارفُ ذنبٍ مرةً ومجانبه
إذا أنت لم تشربْ مراراً على القذى
ظمئْتَ وأيُّ الناس تصفو مشاربه
أَخوكَ الَّذي إِن رِبتَهُ قالَ إِنَّما
أَرَبتُ وَإِن عاتَبتَهُ لانَ جانِبُه

الشاعر المعولي العماني وهو شاعر عاش في أواخر القرن الحادي عشر إلى أواخر القرن الثاني عشر
ألا فاعذرانِي إن عتبتُ عليكما
وإن أنا أهديتُ الملامَ إليكما
لأَنكما أنكرتماني مودةً
قديمًا كأني ما أقمت لدلكما
وقُلتَمْ مقالًا يُحزن القلبَ بعضُه
ولو لم تقولاه فمَاذَا عليكُما
أردّدُ فكري فيكما كل ساعةٍ
وحاشاكما والحقُّ بين يديكمُا المراجع

زر الذهاب إلى الأعلى