مدونات

العبادات في زمن الشهوات: كيف تجاهد في هذا العصر؟

 

كل دواء إلا وله أعراض جانبية، تماماً مثل التقدم العملي و التقني في العصر الحالي. فمع تقدم العلوم الطبيعية و الاجتماعية في شتى المجالات و ظهور اختراعات جديدة على الساحة الإنسانية، بدأ يضعف المستوى الإبداعي والثقافي والنفسي لدى الإنسان على الجانب الآخر.

بالتالي أصبحت حياتنا وتفكيرنا مادي و حتى طريقة تربية أطفالنا مادية بنسبة كبيرة. فمنذ أن بدأ المجتمع بالنظر للمرأة على أنها قوى عاملة (مجتمعياً)، أُهملت تربية أبنائنا على الجانب الآخر. فبعد أن كان الطفل يُربى على الدين والأخلاق و العاطفة التي تُعطى من جهة الأسرة، تولت “الحضانة” و المدرسة هذا الدور على الجانب الآخر. فقلت التربية والدين في مجتمعات العالم بنسبة كبيرة بعد ما أصبح معايير النجاح والفلاح مادية بحتة.

أما على المستوي النفسي، فتدور معركة بدأت منذ طرد سيدنا آدم من الجنة، ألا وهي شهوات نفس و الهوى. فهي معركة أخطر من الحروب بين الدول، لأنك تحارب ما لا تراه والبعض لا يعرفه جيداً! فما هي النفس وأنواعها؟ وما هي خطورة غلبة النفس و الهوى؟ وكيف نتغلب عليها؟ هذا ما سنتحدث عنه في بضع السطور القادمة.

النفس والهوى

النفس تُفسر عند الأطباء الغرب بأنها ذات ثلاث أقسام “نباتية محلها الكبد، وحيوانية محلها القلب، وناطقية محلها الدماغ“. أما في الإسلام لها معنى روحاني مختلف كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية “الروح المدبرة للبدن التى تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التى تفارقه بالموت“.

قيل أن النفس والروح مترادفتان فهي التي تحرك العقل والجسد. لكن على الجانب الآخر هناك من يقول أنهما مختلفتان  وأن الروح من عند الله كما ذكر تعالى في كتابه (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) الإسراء:85.

أما الهوى فهو ميل الطبع إلى ما يلائمه كما قال ابن القيم ، فهو غالب على الطبع الإنساني وقد يؤدي به إلى الهلاك حتى قيل أن “الهوى كمين المؤمن” و قال الله تعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) الجاثية:23

أنواع النفس والهوى؟

النفس ثلاث أنواع (النفس الأمارة بالسوء، النفس اللوامة، النفس المطمئنة)؛

النفس الأمارة بالسوء هي التي تميل إلى كل فاحش وتدفع صاحيها لارتكاب المعاصي و الذنوب و يمكن القول باختصار أنها تحجب العقل والقلب عن الطريق المستقيم. قال تعالى (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ). يوسف:53

النفس اللوامة فهي التي تتقلب دائماً بين الحق و الباطل ، الخير و الشر ، فهي لا تثبت على حال وقد أقسم الله تعالى بها في كتابه (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ). القيامة:2

أما النفس المطمئنة فهي أعلى درجات النفس فهي التي سكنت بذكر الله و خلت من كل شهوات النفس و الهوى. قال تعالى ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ، ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) الفجر: 27،28

أما الهوى اصطلاحياً فهو الميل عن الحق أو ميل الإنسان إلى شهواته ولا نستطيع أن نذمه مطلقاً مثل المأكل والمشرب فهي غرائز أساسية ولكن الإفراط فيه الذي يجعل العبد يفكر في اللذة العاجلة و ينسى عقوبة الأخرة ولم يذكر في القرآن إلا ذماً ، قال تعالى (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ) النازعات:40

(وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا) المائدة:77

خطورتي النفس والهوى

كنت أتعجب عندما أقرأ في كتب السيرة وغيرها، عن مواقف المشركين تجاه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. فالوليد بن المغيرة مثلاً عندما سمع القرآن، قال جملته المشهورة:

“لا بأشعار الجن، والله! ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله! إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة”.

وتجد شهادة أبو جهل عم النبي و ألد أعدائه يقول: “والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟”

هنا تكمن خطورة الشهوة ، فببساطة هي تعمي صاحبه عن اتباع الحق وترك المعاصي وهذا الذي تكلم عنه الله في سورة الحج:46 (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)

والخطر الثاني هو حب الدنيا ونسيان الآخرة ، فمع أننا مُسلمين ولكن ننسى أن الدنيا دار ابتلاء ليست دار خُلد ، فيترتب عليه اتباع الشهوات والمعاصي بل البعض تعميه لدرجة إباحة المنكر والنهي عن المعروف!

قال الله تعالى في كتابه (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) يونس: 7،8.

(وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الأنعام:116.

فأنت أيها الإنسان لم تُخلق للهوى ، إنما لأمر أعظم لن تعلمه إلا بمخالفه الهوى.

فمع الأسف نحن الآن نعيش في عصر “السكر الدائم” ، فالخمر مع أنها من الموبقات ولكن يزيل مفعولها بعد ساعات ، أما ما نراه ونعيشه من شهواته كل يوم ، فهي إما لا تزول أو تزول بصعوبة بالغة وهنا يكمن أهمية جهاد النفس.

الحل رقم 1.. العادات

عندما بُعث النبي بالوحي في مكة، لم يبدأ دعوته بتحريم الخمر والزنا، بل بالشهادة أولاً ثم عندما دخلت الشريعة في قلوب الصحابة، بدأت نزول التشريعات و الحدود. فالعبادات (الحل رقم 2) هو الوحيد لمجاهدة النفس.

قبل ذكر العبادات التي تحصن النفس والهوى ، يجب ان نتحدث عن العادات. فضبظ النفس هي استراتيجية طويلة ليست قصيرة المدى! والتغيرات الصغيرة تؤدي إلى تغيرات كبيرة في المستقبل ، فمن الاخطاء الشائعة هي أننا نركز على الهدف بدلاً من المجهود أو الوقت الذي قد يطول! ولأن الشهوات والهوى يطبع على القلب ، فإزالته لن تكون سريعة ، ولكن تغيير بسيط كل يوم حتي ولو بمقدار 1% لن يضر فالتغيرات البسيطة قد لا تحدث فرق في الوقت الصغير لكن على المستوى الطويل ستظهر النتائج.

الحل رقم 2.. العبادات

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” إذا كنت تسير في طريق ونبحتك كلاب الراعي.. فماذا تصنع؟ تقول: أدافعه.. إن دافعته عاد يجري وراءك.. ثم تدافعه فيعود ويجري خلفك.. وهكذا.. فما الحل؟ . استعن بالراعي .. يكفيك كلابه.. ناد على الراعي.. عندها ينادي كلبه.. وتنتهي القضية.. فكذلك استعن بالله يكفك شر الشيطان.

دائماً العبادات و العمل الصالح يزيد من مقاومة العبد للهوى و حتي قيل أن “الحسنة تجر حسنة” وأن الله لم يجعل داء إلا وله دواء كما ذُكر في الحديث الشريف ولكن نفسك مثل القلعة إذا لم يكن بها حصون وجنود قوية وكثيرة لن تستطيع حمايتها و لكن ما هي جنود النفس؟

الصلاة وتركها من أكبر مسببات سيطرة الشهوة على القلب ، لأن في الصلاة يتصل العبد مع خالقه الذي إذا بَعُد عنه هلكته نفسه واتبع شهواته. قال تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا  ، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) مريم:59.

فكما أن سيطرة الشهوات والمعاصي على القلب من الأمراض الخفية التي ليس لها علاج في العصر الحديث ، فالحل والشفاء لن يكون إلا بقراءة القرآن الكريم.

قال تعالي: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) سُورَةُ فُصِّلَتْ: 44

وقال: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين)  سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 82.

ومن أهم الجنود في قلعة النفس هو ذكر الله عز وجل ، وقيل في الحديث النبوي ” وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله عز وجل” ، قاجعل ذكر الله معك أينما كنت لأن الذكر يوقظ القلب من الغفلة ويطرد الشيطان.

فيما يكمن السر؟

الصفة المشتركة بين جميع الصالحين وحتى في جميع الناجحين على المستوى العالم هي الصبر.

فبدونه لن تترك العبادات فيك أي أثر ، ولأن محاربة النفس ليس بالشيء السهل و يمكن أن يستمر إلى أيام وشهور بل سنين! ولكن هذا هي الفطرة التي خلق الله بها عباده. فنحن لم نتعلم المشي في ساعة ولم نتعلم اللغة في يوم ولم نتعلم الكتابة في أسبوع ولكن بالصبر والمثابرة و هذة هي وصة الله لنا في أخر آية بسورة آل عمران ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

على سبيل الختم..

لا أجد خاتمة أفضل من تدبر أقوال الله تعالى في كتابه:

(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ) الحديد:20

( يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) فاطر:5

(إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الرعد:11

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

خالد كمال

كاتب محتوى إلكتروني
زر الذهاب إلى الأعلى