سياسة وتاريخ

العامل السيكولوجي لصناع القرار و تاثيره على سياسات الدول

العامل السيكولوجي لصناع القرار

تتكون شخصية الفرد من مزيج من 🙁 الدوافع، العادات، الميول، العقل، العواطف، الآراء، العقائد و الأفكار ، الاستعدادات، القدرات، المشاعر، الأحاسيس والسمات..).

كل هذه المكونات أو أغلبها تمتزج لتكون شخصية الإنسان وبالتالي تحدد أفعاله وتصرفاته تجاه محيطه.

وبدراسة كافة هاته الجوانب من شخصية صانع القرار سنتمكن من التحليل والتنبؤ بالقرارات التي سيتخذها وأهدافها.

يلعب صناع القرار أدوارًا أساسية في صناعة و توجيه قرارات دولهم الخارجية، بدءًا بمرحلة وضع البدائل و اختيارها إلى مرحلة الرد على المواقف التي تنقل عن البيئة الخارجية، حيث يعزى كثير من الدارسين تطور الفعل الخارجي من عدمه إلى فعالية العوامل الفردية، ذلك أن القرار الخارجي يضعه في الأخير فرد أو مجموعة أفراد متأثرين بدوافعهم الذاتية و خصائص شخصيتهم و بتصوراتهم الذهنية لطبيعة العوامل الموضوعية.

تطورت معظم الدراسات التي عنت بالمعالجة النفسية و العقدية لصانع القرار في خمسينات القرن العشرين ضمن إطار الثورة السلوكية، التي تمكنت من إعادة النظر في مفهوم السياسة الخارجية كعملية حيوية، بالاعتماد على نموذج النسق الدولي International order. و نموذج اتخاذ القرار Decision taking.

اللذان يركزان على مستوى معين لتحليل الفرد من خلال تشخيص الدولة في صناع قراراتها.

نتيجة لذلك ساهمت الثورة السلوكية Behavioralism بإعادة النظر للمفاهيم و التصورات التي عرفتها المنظورات التقليدية في دراسة السياسة الخارجية و اعتبار المؤسسة كيانا مجردا عن سياقاته الاجتماعية، الثقافية والاقتصادية، السياسية والسيكولوجية.

واعتبرت الإنسان جوهر النشاط السياسي بما يتضمنه من عناصر الإدراك و الدوافع و الحواجز، وجعل السلوك الفردي كوحدة تحليل رئيسية له.

يقول روبرت جرايفسRobert Graves : “قد يكون من المستحيل تفسير قرارات وسياسات أساسية دون الرجوع إلى عقائد صانعي القرارات عن العالم و تصوراتهم عن الآخرين”.

و تؤكد الشواهد العلمية أن ارتقاء مكانة الدول أو ديمومة محافظة بعضها الآخر على مركزها الدولي جاء نتيجة الدور التاريخي لصناع قراراتها، كونهم يتخذون القرارات نيابة عن دولهم و يصنعون من خلالها المتغيرات والأحداث البارزة.

و كأمثلة عن دور العامل النفسي للقادة في صناعة القرار السياسي الخارجي نورد بعض الشخصيات من الماضي والحاضر وكيف استطاعت أن تؤثر في سيناريو التاريخ و العلاقات الدولية.

جورج والكر بوش الابن:

تضاربت الآراء حول طبيعة شخصية “بوش” الناتجة عن طفولة ناشئة في جو عائلي مضطرب نظرًا للغياب شبه دائم للأب، و أم ميالة للحزم في معظم الأمور، إضافة لخبرة طويلة من الإدمان على الكحول و التي استمرت معه حتى بلوغه سن الأربعين أين كانت لحظة” ولادته من جديد” حسب تعبيره.

ليصبح بوش المتمسك بتعاليم دينه والذي يبدأ نهاره يوميا بقراءة الإنجيل، و أصبح المسيح فيلسوفه السياسي المفضل. العامل السيكولوجي لصناع القرار

حدد روبرت جرايفس أربعة نقاط أساسية لمذهب بوش في سياسته الخارجية، يتعلق بإيمان قوي حول أهمية النظام السياسي للدولة في رسم سياستها الخارجية، و مهمة هذا النظام في احداث التغيير على الساحة الدولية و إدراك المخاطرة الكبرى و التي يجب قهرها عن طريق سياسات جديدة و قوية تعتمد أساسا على الحرب الوقائية.

تصنف شخصية “جورج بوش “حسب تصنيفات “جيمس باربر” في الشخصية الأقرب إلى صنف “الفاعل السلبي” حيث يجمع صاحب هذا النمط بين الجدية و حب العمل من جهة، والطمع والميل إلى العدائية والحاجة إلى القوة من جهة ثانية.

حيث يواجه العالم بأفكار قابليته لارتكاب الأخطاء ويرى أن السلوك العدواني أو “شهية التدمير” لدى بوش قد ميزت سلوكه منذ أن كان طفلا، «حيث اعتاد عندما كان لايزال طفلًا، إدخال المفرقعات في أجساد الضفادع ثم إشعال الفتائل و تفجيرها».

إن القرارات التي اتخذها جورج والكر بوش أدت إلى تغيير كبير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الامريكية ما جعلها أكثر تدخلا في العلاقات الدولية و من أبرز تلك الأحداث ( أحداث 11 سبتمبر، و إعلان الحرب على الإرهاب و أفغانستان، و غزو العراق…) و لاتزال مخرجات قراراته تشكل الأحداث حاليًا.

أدولف هتلر:

الزعيم النازي الغني عن التعريف، والذي حاول أن يطلي أوروبا باللون الأحمر. فكانت النتيجة واحدة من أشرس الحروب التي عرفها الإنسان. بالتأكيد هتلر لم يكن شخصية سوية، نشأ في أسرة فقيرة فأمه عملت خادمة عند أحد اليهود الذي كان يشبعها ضربًا أمام أطفالها.

فكانت هذه الشرارة الأولى التي عززت داخل هتلر كره اليهود، بالإضافة لقسوة والده عليه الذي كان يعاقبه بحبسه في غرفة ضيقة ولدت بداخله فوبيا الأماكن الضيقة دفعته مرة إلى محاولة الانتحار أثناء خدمته في الجيش و ذلك لأنه وجد نفسه فجأة في خندق صغير.

و ما قد لا يعرفه الكثيرون أن الإيديولوجيا النازية التي كونها هتلر، كانت طبقا لقناعته الكاملة بالفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه الذي كان أكثر تطرفًا فكريًا، حيث لا مكان للضعفاء، ومن هنا كون هتلر فلسفته الخاصة عن الجنس الآري العظيم الذي لابد أن يحكم العالم.

بالإضافة لجنون العظمة فقد كان هتلر مصاب بالذهان الزوري، وهي شخصية تشك بمن حولها وتشعر بخيانة الجميع.. رأيه دائمًا هو الصواب لا يسمع لأحد إلا لذاته. ميوله دائمًا عنيفة إلى أن تصل في النهاية إلى إيذاء الذات وهذا ما فعله هتلر بنفسه عندما انتحر وفضل الموت على تحمل الهزيمة.

عيدي أمين دادا:

رئيس اوغندا الثالث في الفترة بين عامي 1971حتى 1979.

و الملقب “بآخر ملوك إسكتلندا وذلك لإعجابه الشديد بإسكتلندا.

كان عيدي ملاكمًا و عمل طباخًا في الجيش برتبة عريف. وهو دكتاتور شديد الخصوصية، ونظرًا لمقدار الدونية والظلم التي عاشها في طفولته، قرر توزيع الدموية على شعبه، ووصل به جنون العظمة أنه قال: «أنا الرئيس الوحيد الذي اتصل مع الله مباشرة».

من أطرف مواقفه أنه أرسل برقية لملكة إنجلترا يعلمها بقدومه و يطلب منها تجهيز الطعام له.

كان يستخدم السحر و الشعوذة في حكم بلاده. وقد شهدت فترة حكمه عمليات قتل لشعبه تقدر ب 300.000 قتيل، وكان يضع الجماجم في ثلاجات قصره الفخم فهو شخصية بارونية، هو شخص يشعر بالاضطهاد والظلم لأنه يعتقد أنه عظيم لدرجة أن الكل يغار منه، و يكون مقنعًا و منطقيًا لدرجة أنه يصعب اكتشاف مرضه.

من كل ما سبق نرى بأن العامل السيكولوجي لصناع القرار يلعب دورًا محوريًا في توجيه سياساتهم داخليًا وخارجيًا وصناعة الأحداث دوليًا، إذا يجب إعطاء أهمية كبيرة للجانب النفسي للقادة و دراستهم وأن نختار حكامًا أسوياء نفسيًا وخاضعين للفحص السيكولوجي حتى نحمي دولنا ونحمي العالم من الإنزلاقات الخطيرة التي قد تنتج عن صانع قرار غير سوي سيكولوجيا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

منال شدادي

كاتبة هاوية و طالبة علوم سياسية وعلاقات دولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى