مدونات

العالم العربي بين طريقين

في كل يوم تزداد مأساة التشظي والانقسام في عالمنا العربي، يزداد الطين بلة، و يزداد تفرق المتفرقين، فهل ما يحدث لنا شيء طبيعي؟ هل نحن ضحية مؤامرة كونية تهدف لضرب استقرارنا ووحدتنا؟ ومتى سينتهي هذا التشظي؟ هل له من حل أصلًا؟

أولا وبكل أسف أخبرك أن كل ما يحدث لنا طبيعي، لأنه ناتج بشكل مباشر عن اختياراتنا التي اتخذناها على مدار المئة سنة الماضية، و نتيجة لعقود من الأمية والجهل العميق وعدم الإدراك، و لنعلم جميعًا أن كل اختياراتنا اليوم، ستكون لها عواقب وخيمة على الأجيال القادمة، وللأسف ربما بعد مئات السنوات، سيأتي جيل يطرح نفس الأسئلة التي نطرحها اليوم.

ثانيا نحن لسنا ضحية أي مؤامرة كونية، وكل مثل هذا الكلام هراء لا محل للصدق منه على الإطلاق، ومن تسمعه يردد مثل هذا الكلام، فأعلم أنه واحد من ثلاثة، يا هو شخص مدفوع من أجل الحفاظ على الوضع القائم كما هو، لأن من يدفعون له هم مرتاحون و مستفيدون من هذا الوضع، بغض النظر عن مصير الشعوب أو راحتها من عدمها، أو شخص شوفيني لا يزال يتبنى الناصرية والقومية وغيرها من الإيديولوجيات الشمولية، التي ترفض فكرة الرأي والرأي الأخر ولديه فوبيا من الحرية والديمقراطية والشفافية، ورأيه الشمولي إما من منطلق إيديولوجيا دينية تحت عنوان الدين هو الحل، أو شيوعية واشتراكية تلغي الفرد وحقوقه وتميزه لصالح الجماعة، فنجمع الجميع تحت حذاء واحد، أو من الصنف الأكثر حضورا للأسف وهو نوع من القطيع الذي يحفظ ولا يفهم، ومن دوي المدارك المحدودة والأفق الضيق، حيث يلوك بلسانه بضع كلمات حفظها، كالقول مثلا أننا مستهدفون من الماسونية العالمية، أو بعض الشعارات الخزعبلية، كفكرة أن الغرب يحارب الإسلام.

أقول لك قولا واحدا، كل النظريات و المفاهيم في العالم جاءت بنية سليمة وبأهداف مشروعة، لكنها كلها للأسف تحيد عن الطريق الحقيقي الذي رسم لها، فتصير مجرد وسيلة و أداة في يد الأقلية للسيطرة على الأغلبية، فاليهودية مثلا دين سماوي نزل من عند الله، فكيف لا يدعو لقيم العدل والحرية و المساواة، و الليبرالية مثلا تيار ظهر في أوروبا الحديثة، يتبنى قيم الديمقراطية والإخاء والعدل والمساواة، وما نراه في أوروبا وما وصلت إليه اليوم، هو نتيجة لأنهم إختاروا قيمهم قبل مئات السنوات، بغض النظر عن اتفاقك معهم من عدمه، فقيم العلمانية و تقزيم دور الدين في السياسة، و إعلاء قيمة الحرية بكل تجلياتها، سواء الحرية في ممارسة العمل السياسي أو حرية التعبير أو حرية العقيدة أو الحرية الجنسية، وقيم المساواة بين الجنسين و الإصرار على حقوق المرأة كاملة غير منقوصة، كلها إختيارات أوصلتهم إلى ما هم عليه اليوم.

حتى الإسلام نفسه لو حرر بشكل طبيعي، لتمكنا من رؤية سماحته وقوته وعظمته، دونما أن تحتكره سلطة ما أو حركة ما أو أي إتجاه معين.

لذلك فلتعلم أن العالم كله بما فيها الغرب سواء أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية، من حقه أن يبحث عن مصالحه وهذا ليس عيبا، لكن العيب أن تسمح لمن يحكمك بالتنازل عن حقوق الشعوب ثم تسب من ييحث عن مصالحه، لأنه بكل بساطة عدونا هو  نحن أنفسنا، و لعلنا نحن من صدق فينا ذاك الدعاء المأثور الذي يردده أئمة المساجد عن الأعداء بعد كل صلاة جمعة، و يقول اللهم إجعل تدميره من تدبيره و كيده في نحره.

أما بالنسبة لمتى سينتهي هذا التشظي، فأقول لك أن مصيرنا بأيدينا، و هذا التشظي سينتهي يوم نتخلى عن عقليات البدو التي لازالت تركبنا، و يوم نقرر التأسيس لدول مدنية ديمقراطية، السيد فيها هو القانون و المسؤول فيها خادم للشعب، و الشعب تحت رحمة القانون، يوم نؤمن فعلا بقيم الإختلاف في كل شيء ونربي أنفسنا وأبناءنا على قبول الأخر دون أحكام مسبقة، وألا نرفع السيف على بعضنا البعض، بل نحتكم للدستور و القانون و نقدسهما دون عن غيرهما، فلا نرفع من مقام أحد ما لم يستحق، و لا ننقص من قيمة أحد ما لم يخالف القانون.

سننتهي من كل هذا يوم ندرك أن المسؤولية هي الوجه الأخر للحرية، وأن المحاسبة تبدأ بالمسؤول قبل المواطن، بالقوي قبل الضعيف، بالغني قبل الفقير، بالشخص المعروف قبل الشخص المغمور.

أما إذا كنت لازلت تردد بأن الإسلام هو الحل، فللأسف لازلنا بعيدين جدا، و إن لازلت تقول أن هذا الوطن أو ذاك يحمله من تسمييهم بالوطنيين دونا عن كل الناس، فأخبرك أنت أيضا أن المشوار أمامنا أطول مما نتصور،و يوم ستأتيك الأغلبية تحدثك عن قيم الديمقراطية و الحريات كلها و حقوق الإنسان، فأقول لك بالكاد بدأنا خطوة واحدة في مشوار الألف.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

 
الوسوم

boufouss omar

كاتب و مدون و محرر مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق