مدونات

العالم الضيق رغم سعته

اليوم أصبحنا نعيش في عالم ضيق رغم سعته، فالكون الذي خلقه الخالق واسع غني بالكثير من الأشياء التي تتكامل فيما بينها فتصنع كونًا عامرًا بالعناصر المتجانسة التي تحقق مراد الخلق، بل إن الخلق أنفسهم كان اختلافهم آية من آيات الخالق حتى يتعارفوا فيما بينهم لصالح البشرية بل والعالم أجمع.

الاختلاف بين البشر لم يكن ليتعالى بعضهم على الآخر، وإنما مبعث هذا الاختلاف أن يتكامل البشر فيما بينهم، فهنالك ما يعرف بالأخوة في الإنسانية، هذه الأخوة تفرض علينا أن نتقبل الآخر، شكله، لونه، لغته، ثقافته وفكره، ولا ينبغي أن تضيق الصدور حرجًا من هذا الاختلاف، فلا يصح أن يؤدي الاختلاف إلى خلاف.

في العالم الحالي، والعصر الذي نعيشه نرى السعي المطلق للفردية والأحادية، وذلك على مستوى الدول والأفراد، فلا ترى دولة تكاد تترك الأخرى لحالها، بل تصنع الفتن والمشكلات لإيقاعها في غيابت الخلاف والدمار، وهذا ما أدى إلى أن يطلق على المرحلة التي نعيشها حاليًا بأنها مرحلة القطب الأوحد؛ يقصدون بذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من بزوغ قوى تعمل على التقليل من هيمنة هذا القطب الأوحد مثل روسيا والصين وغيرهما، إلا أن الرغبة في أن تظل أمريكا القوة العالمية الوحيدة التي تسيّر العالم حسبما أرادت قائمة لدى الساسة هناك.

تقبل الآخر قد يكون مذكورًا في الدساتير والمواثيق الدولية، لكن الواقع المعيش يبين منه غير ذلك، حيث من الصعب أن تجد الكثير الذين يتقبلون الآخرين، فكل يرغب في أن يقود الجميع كأتباع وقطيع لا يملكون فكرًا ولا يعبرون عن رأيهم، بل يسيرون خلف من يقود، إننا بذلك نخسر عقولًا وأفكارًا قد تسهم بشكل فعال في انتشال العالم من ظلمات الجهل الحديث.

وفي عالمنا العربي ما كانت الديمقراطية إلا كلمة تتردد في المحافل الدولية، إلا أن الواقع يعكس غير ذلك، فالتعبير عن الرأي ينبغي ألا يخرج عن إطار ترسمه سياسات هذه الدول، ومن يتجاوز هذا الحد يتم التعامل معه وفق آليات قد لا تكون مقررة دستوريًا أو قانونيًا، وهذا كله على الرغم من أن الغالبية العظمى بالدول العربية يدينون دين الإسلام، وهذا الدين رسخ للشورى، فلم تنفرد سلطة في عهد الرعيل الأول بقرار أو حكم إلا بعد أن يقلبون الأمور ويرونها من كل جانب، بل تعدى الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك حينما أمر الله تعالى رسوله الكريم المؤيد بالوحي بأن يشاور المؤمنين معه في الأمر فقال تعالى (وشاورهم في الأمر). ولا ينكر عاقل أن هذه المشاورة ساهمت بشكل كبير في الوصول إلى الرأي السديد ودعمت ركائز الحكم الرشيد.

على أية حال، ينبغي علينا نحن كأفراد أن نتعامل مع الآخرين ونحن نتقبلهم، نتقبل أشكالهم وألوانهم ولغاتهم وثقافتهم، وعلينا أن نوقن بأن الاختلاف لحكمة التكامل وليس للتصارع والتناحر، وليكن الحوار هو المبدأ العام السائد في تعاملاتنا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق