سياسة وتاريخ

الطريق إلى كرسي الحكم

الطريق إلى كرسي الحكم .. هذا الكٌرسي الذي يطمع ويحلم به الكثير ويتمنى أغلب البشر في كٌل مكان أن يجلسون عليه ولو يومًا واحدًا فهو حلم كل شخص يطمع في السلطة والقوة واتخاذ القرار ولكن على مدار التاريخ فقد وصل إلى هذا الكٌرسي الكثير من الأشخاص فكان البعض منهم يستحقون الجلوس عليه، والبعض الأخر كان أضعف أن يجلس على هذا الكٌرسي ويُدير حُكم البلاد.

لذلك طريق الوصول إلى هذا الكٌرسي يأخذ أشكال عديدة وهي عادة تكون عن طريق التوريث أو عن طريق ترقية النائب ليصبح رئيس أو من خلال وجود فوضى في البلاد نتيجة قيام ثورة أو موت الرئيس فجأة فيتم ترشيح شخص ليتولى سلطة البلاد في تلك الفترة العصيبة.

 وعادة ما يكون هذا الشخص على هوى بعض المُتحكمين في إصدار القرار ويرون فيه أنه خير سلف ولن يضر بمصالحهم وقد يكون لفترة مؤقتة، وقد يكون لفترة طويلة حسب رد فعل الشعب، ولكن التاريخ يعطى لنا دروس في أشخاص جلسوا على الكرسي لا يستحقون أن يكونوا رؤساء.

 ومن تلك النماذج حال الدولة الأيوبية بعد رحيل صلاح الدين الأيوبي ذلك القائد العظيم الذي أخطأ بتقسيم السلطة وتوريثها بين أبنائه وأفراد العائلة مما نتج عن فوضى وضعف في بعض البلاد وصراعات بين أفراد الأسرة مما أثرت على الوضع الاقتصادي للبلاد في تلك الفترة.

 وكذلك أيضًا السادات عندما اختار مٌبارك نائب له كان يعلم جيدًا إنه ليس الشخص الذي يملك المهارات العقلية أو مواصفات الحاكم ولكن اختاره حسب حديث السادات نفسه عندما تم سؤاله عن سبب اختيار مٌبارك نائب له ولم يتم إختيار بعض الأشخاص الأخرى الذين هم أعلى منه ويمتلكون سيرة ذاتية أقوى من مٌبارك في هذا الوقت فقد أجاب باختصار إنه وجه جديد وإنسان طيار مستقيم ومخلص لوطنه.

وقد استطاع مبارك أن يحكم مصر سنوات طويلة وله ما له وعليه ما عليه، ولكن كان يجب عليه أن يترك الحكم في سن معين وهو مرفوع الرأس وألا يستجيب للحاشية التي حوله والتي كونت ثروات كبيرة وكانت حاشية فاسدة وحاولت أن تجعل الكرسي بالوراثة حتى يظلون في أماكنهم ويحتفظون بالمكانة والسلطات التي منحت لهم من خلال مبارك.

 وكانت أكبر أخطائه التي ساعدت بعض الأحزاب إلى شحن الشعب ضده هو إدخال ابنه جمال في السياسة والتي فتحت المجال إلى موضوع التوريث حتى ولو لم يكن هذا الأمر متاح أو في نية مبارك ولكن الواقع الذي أمام الشعب وفساد الحزب الوطني وقسوة الشرطة جعلت الشعب يكره جمال من البداية.

حيثُ أن نجاح الحاكم وحب الشعب له مُرتبط بذكاء الحاكم وذكاء الحاشية التي حوله فكلما كانت الحاشية أغبياء كان النفور من الحاكم سريع، فلقد جمعت الحاشية الغباء واستغلال السلطة في عصور جمال عبد الناصر والسادات ومبارك وتم ممارسة جميع أنواع العذاب والقهر لمن يعارض أو يخالف الرأي.

ومن أبرز الحكايات التي تداولها الشعب وكان من نوع المزاح لإن الشعب المصري هو من الشعوب التي تستطيع أن تقوم بتحويل المشاكل والظروف القاسية إلى نكت ومواقف ظريفة يتم الضحك عليها وهذا موجود في مختلف العصور.

هي حكاية عبد الناصر إنه أحتاج مترجم فأخبروه أن شخص معين هو أحسن مترجم فطلب من رجاله أحضار هذا الشخص ونسى عبد الناصر وبعد فترة سأل جمال عبد الناصر عليه فقالوا له إنه اعترف وتم إعدامه يا أفندم وكذلك حديثه مع صلاح نصر عن أبو الهول الذي قال له صلاح نصر تم الضغط على أبو الهول وأعترف يا أفندم بكل حاجة.

وهذا يعنى أن القسوة والعصا كانت أسلوب متبع حتى مع الحجارة وليس البشر فقط، وكذلك حكاية قفا السعدني الذي دار جدال بين الكاتب الكبير محمود السعدني والمؤرخ جمال بدوي بخصوص الأقفا الذي تعرض له محمود السعدني وهو في السجن وهذا كان حال الشرطة في تلك العصور وهي استخدام القوة.

 لذلك كانت للشرطة عدة أمور وخصوصًا في عهد مبارك أطاحت بمبارك من على عرش مصر وكانت السبب في قيام الثورة ضده، ولعل أبرزها هي حكاية خالد سعيد التي كانت الشرارة في اندلاع الثورة ضد حبيب العادلي وضد الحكم بالعصا والكرباج في ذلك الوقت فقد يكون مبارك ليس له ذنب في بعض الأمور الأخيرة ولكن الحاشية والأفعال السيئة التي قامت بها جعلت الشعب يقف ضده ويريد الخلاص منه.

ولكن للأسف جاءت الأمور بعد ذلك ليست في صالح مصر حيث أستغل فصيل الأخوان إنهيار مصر وعدم وجود حاكم والكراهية بين الشرطة والشعب وتم السيطرة على حكم مصر والوصول إلى الكُرسى الذي كان حلم سنوات طويلة لهذا الفصيل الإخواني.

لذلك ليس كل من جلس على الٌكرسي كان يحق له الجلوس ولكن هذا الكٌرسي يشبه الفيروس الذي يخترق الجسد ويجرى في نفوس البشر وليس له علاج لهم فهو بالنسبة لهؤلاء الأشخاص أن الجلوس على كرسي الحكم هو العلاج الوحيد للداء الذي يشعرون به.

 لذلك تجد أن هذا الكُرسي هو السبب في ظهور الإرهاب والقتل والفتنة وضعف البلاد من خلال ظهور فصائل تٌريد أن تُدمر منافسيها لكي تجلس على ذلك الكرسي، إن كٌرسي الحٌكم هو ذلك الكٌرسي المجنون والفيروس الذي يصيب محبي هذا الكٌرسي بداء إدمان السلطة والقوة.

فهؤلاء الأشخاص يبحثون بشتى الطرق لكي يستولون عليه، لذلك علينا أن نقتنع بأنه ليس كلاً من جلس على كٌرسي الحٌكم هو الأصلح ولكن الظروف والعوامل والترتيبات هي التي تحدد من يحكم البلاد وعلى الشعب أن يستفاد من تلك الدروس والتجارب حتى يستطيع اختيار الحاكم المناسب.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

د / عماد الأطير

دكتوراة فى المحاسبة وإدارة الأعمال من بريطانيا ومدير مالى وكاتب روايات ومقالات فى اليوم السابع واليوم الثامن وجريدة شباب مصر و22 عربي ومدون فى مواقع ساسة بوست وهافينتجون بوست

تعليق واحد

  1. لا يمكن أنْ تستقيم أمور البلدان التي لازالتْ تؤمن بتقديس الأشخاص الذين تَربّعوا على عروش التَّحكُّم لِعُقودٍ عديدة بِذرائعَ فارغةٍ كَالتوريث و انقِلابات الجيش و الإنابة و غيرِها….

    فالحلّ الوحيد لهذه المعضلة المزمنة في العديد من البلدان هو إعادة هيكلة الأساليب السياسية القديمة المُتجاوَزة الباليَة، و ذلك من خلال هبَّة الشعوب المُضطَهَدة في هذه البلدان من أجل إقامة ديمقراطية حقيقية تقوم على انتخابات شفافة و نزيهة تُشرف على إجرائها هذه الشعوبُ نفسهُها لِبناء أسس متينة تقوم عليها الدول الناشئة. و هي إقامة مؤسسات دستورية حقيقية مستقلة عن الحكومات و الأحزاب يكون فيها القضاء الركيزة الأساسية و قطب الرّحى الذي يُعتمَدُ عليه في محاسبة و معاقبة كل من خالف القوانين و التشريعات وفق دساتير جديدة تقطع مع كل الدساتير القديمة التي تُكَرّس الاستبداد و الشمولية و استعباد الشعوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى