مدونات

الطبيعة بوصفها ذاكرة لدى الثقافات غير الكتابية

الطبيعة بوصفها ذاكرة لدى الثقافات غير الكتابية .. يعتبر ابتكار الكتابة (3500 ق.م تقريبًا) حديثًا جدًا بالقياس إلى التاريخ البيولوجي للإنسان العاقل (أقدم أحافيره 300 ألف سنة)، أي 1% فقط من زمن وجوده. منذ ذلك الحين تراكمت معارف هائلة غمرت العالم بالمعلومات وتكللت بظهور الأرشفة الرقمية ووسائط التخزين الإلكترونية. هذه الإنجازات تجعل من السهل، وعلى نحو مجحف، التقليل من ملكات الشعوب القبتاريخية وإمكانياتها المعرفية. إن شعوب الإنسان العاقل التي اكتمل غزوها للعالم قبل 20 ألف سنة، وقد طورت منذ ذلك الحين تنوعًا ثقافيًا ولغويًا مدهشًا، وخلفت تراثًا شفهيًا يتضمن آلاف القصص والأغاني والأمثال والأناشيد التي تستغرق ساعات في تلاوتها، وهذا كم هائل من المعلومات لا يمكن للإنسان المعاصر (الذي يعيش حياة عصرية قوامها التكنلوجيا) إلا أن يذهل أمامها. إن التقاليد الشفهية لدى الشعوب القبتاريخية ليست شديدة التفصيل والتعقيد فحسب، بل إن بإمكانها البقاء لآلاف السنين عبر عدد لا يحصى من الأجيال.

فكيف تحفظ هذه الشعوب كل تلك المعلومات؟

قامت الباحثة لين كيلي خلال أطروحتها لنيل الدكتوراه بمحاولة الإجابة عن هذا السؤال. وقد كانت أطروحتها تتمحور حول معرفة السكان الأصليين بالحيوانات. لقد بدى واضحًا لكيلي أن السكان الأصليين قاموا بفهرسة أعداد هائلة من المعلومات حول الحيوانات، بما في ذلك الأنواع، والسمات الجسدية، والسلوك، والروابط المتعلقة بالأغذية والنباتات. وقد شرح لها شيوخ السكان الأصليين كيف يقومون بتشفير المعرفة من خلال الغناء والرقص والقصة والمكان. أدى هذا إلى نظرية قد تحدث ثورة في علم الآثار.

الثقافات غير الكتابية .. من المعروف منذ زمن بالنسبة للعلماء، أن الدماغ البشري تطور ليربط الذاكرة بالمكان، ويتم التعبير عن ذلك بمصطلح method of Loci. وكلمة Loci اللاتينية تعني “المكان”. وهي تشير إلى ميزات المناظر الطبيعية والمواقع الاحتفالية والتصميمات المجردة – أي شيء له ميزات مميزة حيث يمكن ربط المعلومات بالذاكرة. وقد استخدمت كيلي هذه الطريقة لتفسير وظيفة العديد من المعالم الأثرية الشهيرة مثل حجارة ستونهنغ. وهي تقترح أنه بني ليكون بمثابة ذاكرة خارجية لأرشفة المعلومات. والأمر لا يقتصر فقط على الأماكن المحيطة بتلك الشعوب، حيث أن النجوم تستخدم كذلك كمساحات للذاكرة. وفي العادة يتم ربط كل نجم بمعلم طبيعي يمثله على الأرض. إن “خرائط النجوم” مكنت الناس قديما من السفر لمسافات طويلة بقصد التجارة أو الهجرة أو الاحتفال. مثلا، يقوم شعب Euahlayi بحفظ مواقع النجوم ليلًا، ويتعلمون أغاني تتضمن علاقتها بالأرض، وكل نجم يرتبط بمنظر طبيعي (حفرة أو بئر إلخ) ويرددون الأغنية أثناء ترحالهم عبر البلاد. وبدلاً من التنقل بواسطة النجوم ، تعمل النجوم نفسها كمساحة ذاكرة.

قدمت كيلي رؤى جديدة حول قدرة المجتمعات الشفهية على تخزين كميات هائلة من المعرفة في الذاكرة دون أن تتحلل بمرور الوقت. وقد جربت كيلي هذا بنفسها، عن طريق حفظ أسماء الدول وعدد سكانها من خلال ربطها بميزات حول حيها، بما في ذلك المباني والحدائق، لتكوين قصصها الخاصة لكل منها..

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى