سياسة و تاريخ

الصين ومجازر الإيغور.. تدجين الدين أو الجذور الثقافية للصراع حول الهوية

مازالت العقلية الديكتاتورية والشمولية أن تحكم القوى الكبرى فقط لأنّها تملك القوّة، تلك التي لا يملكها القانون الدّولي كونه مجرّد نصوص لا إلزام فيها، أو لا تنفّد إلا في حق المستضعفين، والأمم المتحدة حينما تتدخل إنّما يكون ذلك على حساب واقع هذه الدول والشّعوب المستضعفة، لأنّه وكما قرّر ذلك روبرت كاغان في كتابه “الأقوياء والضّعفاء.. الولايات المتحدة وأوروبا في النظام العالمي الجديد”: “لا بد من فرض نظام عالمي بالقوّة، مادامت هناك دول مارقة لا يمكن تدجينها إلا بالصفع واللكم”.  وليست الدول المارقة سوى تلك التي رفضت الانصياع لإملاءات الدول الاستعمارية، ومادامت القوة هي الفيصل على حلبة الصراع الدّولي، فإنّ كل دولة تحاول أن تحقق مصالحها وتحميها عن طريق “اللكم والصّفع”، وهو ذاته ما تفعله الصّين انطلاقًا من نظرية “الضعف والقوة” لروبرت كاغان، فيلسوف الصقور.

إذن مالذي يجعل الصين وهي موطن حضارة الحكمة، كنفوشيوس وبوذا، تتعامل مع سكان إقليم شينجيانغ ذي الأغلبية المسلمة بهذه الشّراسة والهمجية؟ ألأنّهم مسلمون، إذًا وماذا بعد؟

هل تخاف الحضارات من بعضها، أم هناك شيء آخر تخفيه غطرسة الدولة القوية ومواجهتها للكيانات الضعيفة؟

الإيغور وانتهاكات الصّين للحقّ الإنساني:

لقد ذكرت التقارير الإعلامية من الفظاعات ما يندى له جبين الإنسانية التي تعيش عصر الكوانتوم والميديا الجديدة والثورة المعلوماتية، إذ أصبح العالم قرية صغيرة، فلقد أجبر التعصب الصّيني “الإيغور” على وضع تطبيقات خاصّة على هواتفهم حتى تسهل عملية تتبعهم ومراقبتهم. وبسبب كل هذه الخروق ضد حقوق الإنسان، فقد أكّد بعض المحامين أنّ “حالات التعذيب أصبحت عملة متداولة” كما ورد في مقال لآيمي فريس روثمان Amie Ferris-Rotman، مراسل الواشنطن بوست في موسكو، نقلًا عن مجلة باري ماتش، مؤكدًا على أنّ العديد من الشهادات تحدّثت عن الاغتصاب والتعقيم القسري للنّساء، ناهيك عمّا تسمّيه الصين بـ”مراكز إعادة التأهيل” وما هي في حقيقة الأمر سوى مراكز اعتقال للإيغور الذين يظهرون التمرّد ضد الاندماج في الحالة الصينية، إذ يساقون إليها حيث “تتمّ برمجتهم سياسيًا واحتوائهم ثقافيًا”، كما ذكر نفس المصدر.

يسوق الصينيون مبرّر محاربة الإرهاب الذي أصبح مستهلكًا ومستعملًا من طرف أي دولة شمولية تريد التخلص من معارضيها، ولقد استجوبت منظمة العفو الدولية الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريس حول الوضع المأساوي الذي تعيشه الأقلية الإيغورية في الصّين وخصوصًا في إقليم شينجيانغ.

ما يعانيه الإيغور في الصّين صاحبة السّور العظيم هو انتهاك كبير لحقوق الإنسان، حيث لا قوّة تحمي ضعف الأقلية المسلمة؛ فجميع الدول التي ينتمي إليها الإيغور حضاريًا منشغلة هي أيضًا بقمع الحرّيات والالتفاف على حقوق الشّعب ومكتسباته التي أحرزها عبر ثوراته وحركاته الرّاهنة ضد قوى الظلم والطغيان، ولا تأبه لما يعانيه هؤلاء تحت آلة القهر والتعذيب الجهنّمية الصينية.

تدجين الدّين أو الجذور الثقافية للصّراع حول الهوية:

إنّ القرية الصّغيرة التي أعادت ترتيب وضع العالم وقرّبت أجزاءه المتباعدة عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي والميديا الجديدة، ساهمت أيضًا في خنق الخصوصيات التي قد تكون مختلفة من خارطة إثنية واجتماعية إلى أخرى ضمن جغرافيا القرية العالمية، فأصبح التعدّد الثقافي والاختلاف العقدي مثار خوف من أن امتداد عقيدة ما يهدّد كيان الدّولة العريقة.

فهل فعلًا تخاف الصّين من الإسلام.. هل أصبحت دولة إسلاموفوبية؟

لا يمكن عزل العامل الثقافي الذي يحمل الهوية بتجلياتها الدينية والاجتماعية والحضارية عن ما يتم ارتكابه من مجازر في حقّ المسلمين سواء في الصّين أو ميانمار او غيرهما. تعلم الصين جيّدًا أنّ اقليم “تركستان” كما كان يطلق عليه أو “شينجيانغ” كما أصبح اسمه، يقع على حدود تركيا، وأنّ الإيغور أصولهم تركية، فهم يختلفون عن العقيدة الرّسمية للصّين الشيوعية، وبالتالي ولاؤهم لن يكون سوى للدولة التي يشعرون أنّهم جزء منها وأنّ الصّين بلد احتلّهم بالقوة، إذ كانت هناك محاولات لإحياء دولة تركستان عامي 1933 و1944، ولكن قضت عليها الصّين، ومنحتها الحكم الذاتي.

لقد انبعث العملاق النّائم من بياته الشّتوي الطويل الذي لازمه طيلة فترة الحرب الباردة، وبقدر ماكان تطوّره ودخوله عالم الحداثة والميكنة، وانطلاقته الموفّقة في تأسيس اقتصاد قوي أصبح منافسًا للاقتصادات الليبرالية، إلا أنّ شمولية النّظام لم تنتهي، والجمود العقائدي مازال يطوّق العقل الصيني الرّسمي، وأنّ ذهنية الحزب الواحد بما تعنيه من الرّؤية الواحدة والتفكير الواحد مستمرّة في مظاهر الحياة الصينية، التي وهي الدولة العظمى، إلا أنّها تبدو خائفة من تجاور الثقافات والإثنيات والديانات تجاورًا حواريًا لا صداميًا. لقد شغّلت جهازها الأيديولوجي والانتقامي ورغبتها في التطهير العرقي لمواجهة الإيغور المسالمين والمسلمين؛ فقط لأنّ عقيدتهم الإيمانية تختلف جذريًا عن عقيدة الصّين الإلحادية، وما يعنيه ذلك من ترتيب عناصر الدولة  الشيوعية التي تحدّد ماديًا لإنسانها طبيعة رؤيته للإنسان والكون والحياة انطلاقًا من مبادئ المادية الجدلية والتفسير المادي للتاريخ القائم على الاقتصاد والمادة. وبالتالي فإنّ البنية الفوقية ما هي إلا انعكاس للبنية التحتية؛ أي أنّ التصور العقلي لا تشكله سوى عملية صراع الإنسان من أجل خلق الثروة من خلال وسائل الإنتاج، وهو ما يتناقض كلية مع الرّؤية الإيمانية التي تجعل الإنسان مناط الحركة في الحياة وأنّ علاقته مع عالم الغيب هو ما يجعل للحياة معنى، ذلك أنّ الإنسان روح وجسد، ولعل هذه النظرة إلى الحياة من باب الإيمان تترتب عليها مستويات من العلاقات التي تشكل الرّؤية إلى الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة، الأساس فيه الحرّية والحوار، والفيصل الوحيد فيه الإقناع ومقارعة الحجّة بالحجّة.

حركة الإنسان بين تاريخ إنسانيته وتاريخ وحشيته:

إنّ هذا المفصل في مفارقة الإسلام كعقيدة لما يدور في العالم اليوم من أفكار وعقائد هو الذي يجعل مبادئ هذه العقيدة غريبة وشاذّة، وهو ما انبنت عليه فكرة القوة لدى روبرت كاغان في نظرية “القوة والضعف” في كتابه المذكور آنفًا والصادر عام 2003، وهي نفس السّنة التي احتلت فيها أمريكا العراق، ولكن قبلها صدرت نظريتان استراتيجيتان قامتا ببناء رؤية الولايات المتحدة للعالم، “نهاية التاريخ” لفوكوياما و”صدام الحضارات” لصمويل هانتغتن. ضمن مفهوم النهاية ومفهوم الصدام نشأ الوعي الغربي بحقيقة الإسلام، وعلى هذا الوعي تأكّدت رؤية الغرب العدائية للآخر الذي يختلف عقديًا مع منظومة الأفكار التي لا تبني ركائزها أخلاقيًا، وهو ما جعل المفكر الفرنسي ريجيس دوبري يصرخ بأعلى صوته من عمق ماركسيته: «كلا لن نخضع لإرهاب اقتصاد السوق، ولا لإرهاب الجبروت العسكري، ولن نسمح بأن نصلب على صليب مصنوع من الذهب والنفط والهيرويين». ومن هنا تبدو أهمّية قراءة العلاقة بين الوهم الغربي في أنّ الإسلام يشكل خطرًا على مستقبل المنظومة المادّية، وبين واقع الفكرة الإسلامية القائمة على الانطلاق من روح الإنسان لبناء عالم تستقر في عمقه هذه الرّوح، أو ما نستطيع أن نطلق عليه أنسنة العالم، بمعنى أنّ العامل الفاصل الوحيد في حركة العالم هو تاريخ إنسانيته، لا وحشيته المدمّرة والعازلة.

الإنسان بين المعنى في مسار السوق والمعنى في مسار الله:

تعتبر نظرية “نهاية التاريخ” قراءة في صيرورة التاريخ إلى القيم الليبرالية المتمثلة في حرّية السّوق والديمقراطية، وكأنّها النموذج الوحيد الذي يمكن للبشرية أن تقف عنده، فلا مكان لرؤية مختلفة، لأنّها حينذاك سوف تقوّض دعائم الرّؤية المادية في تدعيم حرية الفكر والاختيار والمشاركة، فاقتصاد السّوق مقرونًا بالديمقراطية إنّما يترجم فعليًا النّظرة الاستهلاكية المادّية التي تنتج الرّفاه الذي يحيل إلى نوع معيّن بالخصائص للحرّية، أي إنتاج ذلك الإنسان الذي تتحدّد حرّيته في معنى السوق، أي خضوع أي شيء للبيع والمقايضة، وكذلك هي أخلاق الديمقراطية، ولو لم تكن كذلك لالتزمت الصين التي تتفق ماديتها مع مادية العالم الحر بعلاقات الحياة السّامية المتمثلة في روح الإنسان الساكنة تربة العالم. أمّا صدام الحضارات فهي نظرية تشكل العالم وفق دوائر حضارية متمايزة، وتضع الإسلام في دائرة واحدة باعتباره يختلف جذريًا عن أطاريح الأفكار في العالم، فوحده نظام الإسلام يرفض الربا والحرّية البهيمية والخمر والكذب والذئبية في العلاقات والغايات التي تبرر الوسائل أو المبدأ الميكافيللي، وهي كلها عناصر إذا تخلّفت ضُرِب في الصّميم جوهر العلاقات القائمة في النّظام الدّولي الجديد الذي تتحالف أطرافه، شيوعيها مع ليبراليها تحت سقف وحيد وهو مادية العالم وأيلولته إلى الطبيعة الخرساء التي لا تمدّ الإنسان إلا بوسائل الصّراع والإخضاع والهيمنة، أليس الإنسان في الرّؤية الغربية يتأسّس مصارعًا للطبيعة من أجل إخضاعها، وهذا خلاف الرؤية الإسلامية القائمة على الأخوة مع الطبيعة في علاقاتها مع الإنسان الصائر إلى العبودية لله، وهذا ما يجمع الإنسان إلى كافة عناصر الحياة والطبيعة، أي المسار العبودي الإيماني نحو الخالق الذي تنتهي إليه كل المخلوقات، وهو ما يجعل “نظرية نهاية التاريخ” سطحية بالنسبة إلى نهايته في الرّؤية الإسلامية. ولهذا تقوم الصين بارتكاب المجازر في حق الإيغور المسالمين والمسلمين.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق