ثقافة وفنون
أحدث المقالات

الصوفية: زهد أم زندقة؟ (3)

يتفق المسلمون باختلاف طوائفهم وشعبهم على حفظ الله لكتابه الكريم من الزيغ والتحريف، باعتباره  الرسالة الخاتمة، وعليه فهو حجة الله على خلقه أجمعين إلى يوم الدين.

وهو كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وكيف يكون غير ذلك وقد تكفل الله جل في علاه بحفظه، وحمايته من التحريف: يقول الله تعالى ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)”.

وباعتبار الرسالة المحمدية هي حجة الله على خلقه، فوجب بمقتضى العدل الإلهي أن تكون كاملة، لا يشوبها نقص، ولا يعتريها خطأ، وهو ما أكده النبي الكريم  بخطبته في حجة الوداع  حيث قال ( فَإنّي قَدْ تَركْتُ فِيكُمْ مَا إنْ أخَذتمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، كِتَابَ اللهِ وَ سُنَّة نَبيّه، أَلاَ هَلْ بلّغتُ، اللّهمّ اشْهَدْ.)

وعليه فسر أهل العلم  قوله تعالى” : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )

إن المراد بكمال الدّين أي  كمال أصوله، وقواعد الأخلاق، وكليّات الشرع، فلم تنزل تشريعات للحلال والحرام  بعد هذه الآية، لأن الدين قد تم، و النعمة قد اكتملت، ولكن من الواضح أن لبعض تيارات الصوفية رأي آخر!!

مصادر التلقي عند الصوفية

ادعى كثير من الصوفية، وعلى رأسهم أصحاب التصوف الفلسفي والباطني، بداية من معروف الكرخي وحتى يومنا هذا؛ أن للشريعة ظاهر وباطن، فالظاهر يعلمه علماء الشريعة ومصدرهم في ذلك كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

أما أهل الباطن وهم أعلى درجة، وأسمى رتبة ويطلقون عليهم (علماء الحقيقة)، فلهم مصادر أخرى في التلقي، وهذه المصادر لايشوبها باطل، رلا يعتريها شك، وكيف يكون غير ذلك وهي تأتيهم من الله مباشرة!

ويترتب على هذا القول بطريق المخالفة أن الدين لم يتم، والرسالة لم تكتمل، وفي هذا تكذيب صريح لما جاء به القرآن الكريم، وتكذيب صريح للنبي الخاتم الذي بلغ الرسالة على وجهها الأتم.

وهكذا فرق أصحاب هذا الاتجاه من الصوفية بين الظاهر والباطن، أو بين الحقيقة والشريعة، وكان ذلك نتاج تأثرهم بالفلسفات والتيارات  الدينية الفلسفية كما سبق ذكره.

يقول ابن خلدون”إن سلف هؤلاء كانوا مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة فإشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم وظهر فى كلام المتصوفة القول بالقطب، ومعناه رئيس العارفين يزعمون أنه لا يساويه أحد في مقام المعرفة حتى يقبضه الله ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان).

وعليه يتبنى الصوفية مجموعة من العقائد، باعتبارها مصادر للتلقي تفضي كل واحدة إلى الأخرى، وهي:

أولاً: المعرفة

للمعرفة عند الصوفية سياقات مختلفة، فهناك المعرفة ما قبل ابن عربي والتي خطها أمثال التستري والجنيد وذي النون. وهناك المعرفة التي أصلها ابن عربي أو من يلقبونه بالشيخ الأكبر.

أما المعرفة عند المتصوفة الأول فهي مختلفة عن العلم ، وملخصها أنها نتاج تجربة حية مباشرة مع الله جل في علاه.

وعليه فهي تعكس تجربة صاحبها، ولذلك فهي مختلفة ومتغيرة من شخص لآخر، ولكن محصلتها في النهاية واحدة وهي العجز عن الإحاطة بالسر الإلهي الأعظم وبذلك تنتهي بالصوفي إلى الدهشة الكاملة!!

أما المعرفة عند ابن عربي فمقسمة إلى مراحل مختلفة:

1. المكاشفة: وهي أعلى الدرجات وأرفعها، وتحصل عندما يتحرر الصوفي من حجاب المادة، وظلمات النفس، ويزهد في متاع الدنيا، وزينتها، ويأخذ نفسه بالرياضات والمجاهدات، وبذلك تصفى نفسه، وتعلو روحه، فتصل بصحابها إلى عنان السماء، وتتطلع إلى الأسرار الإلهية، والفيوضات الربانية.

ولذلك يعتبر ابن عربي المكاشفة أسمى مرتبة من المشاهدة.

2. التجلي: وهو المرتبة الثانية في مراتب المعرفة ،وفيه تتجلى الذات الإلهية للصوفي، ولكن بأسماءها وصفاتها، فيكون الفعل فعل الرب بالرغم من اعتقادك إنه فعل العبد، ويكون القول قول الرب، رغم اعتقادك إنه قول الرب، ألم يقل الله تعالى في الحديث القدسي ( فكنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها..).

3. المشاهدة: وهي آخر مراحل المعرفة وتعني الإدراك المباشر الحاصل نتيجة للمشاهدة العينية، ويقول الصوفي بأنها ( رؤية عينية بعد زوال الحجب )، وبذلك يدعي الصوفية بطريقة غير مباشرة إنهم أفضل من الأنبياء والرسل الذين لم يشاهدوا الله تعالى ؛(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)

يقول الإمام الغزالي رحمه الله في الإحياء رداً على هؤلاء (ما من حكيم عاقل يدعي لنفسه كمال المعرفة بالله تعالى، إذ لا يعرف الله حق المعرفة سوى الله تعالى ).

وباعتبار الإمام الغزالي من أبرز متصوفة أهل السنة، المشهود لهم بالانضباط إلى حد كبير في وجهته الصوفية  يقول في المعرفة : ( إن الحق في معرفة الله وصفاته وما يتصل بالحضرة الإلهية، وحضرة الربوبية بمفهومها الواسع هو مذهب السلف) ثم يقيم الأدلة العقلية والنقلية على ذلك.

ثانياً: الحلول والاتحاد و وحدة الوجود

كانت عقيدة الاتحاد  والحلول ووحدة الوجود و التي قال بها الفلاسفة الملاحدة من قديم الزمان، ونقلها المتصوفة المسلمين على مراحل مختلفة أكبر الأسباب التي هوت بالتصوف الفلسفي إلى براثن الحلولية.

فقد جمع المتصوفة مجموعة أفكار فلسفية أفضت في نهاية المطاف إلى القول بدين جديد يشابه إلى حد كبير في معتقداته أقوال الفلاسفة لا معتقدات رجال الدين.

فها هو  البسطامي يقول ب (الفناء)، ثم يأتي ابن كرام فيقول بـ (المعرفة)، ومن بعده الخراز ليقول بـ (عين الجمع)، والترمذي ليقول ب(الولاية )، حتى تُتوج أفكارهم بابن عربي فيقول صراحة : بوحدة الوجود و الاتحاد، ووحدة الأديان، ولذلك يلقبوه بالشيخ الأكبر، والقطب الأحمر،  فكيف لا والرجل اخترع دينا جديدا بعد أن مزج الدين بالفلسفة بعبقرية قل لها نظير!

وخلاصة عقيدتهم في الاتحاد ووحدة الوجود مايلي:

إن جميع الكائنات انبسقت من العلم  الإلهي والذي يسبقها في الوجود، وبالتالي فإن هذه الكائنات ماهي إلا تجليات الله، ومن ثم فإنها ستعود بعد الموت إلى الجوهر الإلهي!!

ولذلك قرر ابن عربى أن معنى الشهادة هي حلول الله في جميع مخلوقاته فيقول:

يا خالق الأشياء في نفسه .. أنت لما تخلقه جامع
تخلق ما لا ينتهي كونه فيـ .. ك فأنت الضيق الواسع

ويقول في موضع آخر:

فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا .. وليس خلقا بذاك الوجه فاذكروا
من يدر ما قلت لم تخذل بصيرته .. وليس يدريه إلا من له بصر
جمع وفرق فإن العين واحدة .. وهي الكثيرة لا تبقي

ولا تستغرب عزيزي القارئ أن بهذه  النظرة الحلولية لابن عربي  والتي مفادها (أن جميع الخلق ما هم إلا تجليات النور الإلهي وأن الحق والخلق وجهان لحقيقة واحدة ) فأن ابن عربي قد برء فرعون وحكم بإيمانه، كما برء الجيلي  من بعده إبليس وحكم ببرائته من الكفر كذلك.

ولأن سلسلة عقائد الصوفية كالمتوالية التي يترتب إحداها على الأخرى حتماً فقد أدى قولهم بالحلول والاتحاد إلى القول بوحدة الأديان.

وحدة الأديان

كانت النتيجة المنطقية المتولدة عن وحدة الوجود هي وحدة الأديان، ولذلك يرى ابن عربي أن كل الناس يعبدون الإله الواحد المتجلي في صورهم ولذلك فإن غاية العبادة عند ابن عربي (التحقق من الوحدة الذاتية معه والتحقق بها).

وعليه لا يوجد عنده معنى للإيمان أو الكفر، للحلال أو الحرام، للجنة أو النار، وكيف يكون ذلك والله والخلق وجهان لحقيقة واحدة؟

ترى لو كان هناك معنى للكفر  والله والمخلوق ما هم إالا وجهان لحقيقة واحدة فهل يعذب الله نفسه؟!!

ولذلك يقول ابن عربي :

وإن دخلـوا دار الشقــاء — فإنهم على لذة فيها نعيم مباين
نعيم جنان الخلد، فالأمر واحد — وبينهما عند التجـلي تبـاين
يسمى عذاباً من عذوبة طعمه — وذاك له كالقشر والقشر صاينُ

وعليه يعد المؤمن بدين واحد هو المخطئ عند الشيخ الأكبر فيقول (وصاحب المعبود الخاص جاهلاً بلاشك لاعتراضه على غيره) ولذلك فهو الشيخ الأكبر والمؤمن الحق بجميع الأديان يقول فى موضع آخر :

قد صار قلبي قابلاً كلَّ صورة *** فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبةُ طائف *** وألواحُ توراةٍ ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أني توجهت *** ركائبه فالحب ديني وإيماني

ولذلك لم نجد ابن عربي مؤمناً بجميع الأديان فحسب، بل عابداً لجميع الآلهة ومعبوداً على حدٍ سواء فيقول:

فيحمدني وأحمده *** و يعبدني وأعبده
ففي حال أقربه *** و في الأعيان أجحده
فيعرفني وأنكره *** و أعرفه فأشهده

وهكذا يصل بنا ابن عربي (الشيخ الأكبر!!) إلى القضاء على جميع الأديان، وهذه النتيجة توصل إليها بعبقريته الفذة المتقدة بعدما أوحى الله إليه كتبه الفريدة التى إدعى فيها تلك العقائد .

فقد ادعى رعاه الله!! أن كتابته فصوص الحكم والفتوحات المكية أحدهما وحي من الله مباشرة والآخر إملاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم !!

يتبع..

الجزء الأول: الصوفية.. زهد أم زندقة!؟

الجزء الثاني: الصوفية.. زهد أم زندقة؟ (2)

الجزء الرابع: الصوفية :زهد أم زندقة؟ (4)

بواسطة
فصوص الحكم لابن عربىأضواء على التصوفبنية العقل العربى
المصدر
الاحياء للغزالىالفتوحات المكية ابن عربىمقدمة ابن خلدون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى