ثقافة وفنون

الصوفية.. زهد أم زندقة؟!

الصوفية من وجهة نظر سلفية

شنت السلفية المعاصرة حملة هوجاء على التيار الصوفي برمته، متهمة إياه بالابتداع والزندقة. ووجهت سهام نقدها إلى التيار باعتباره سبب شقاء الأمة وتخلفها. ووصل الأمر إلى اعتباره كارثة كونية، ابتليت بها الإنسانية جمعاء، وليس المسلمون فقط، كما يقول حامد الفقي أحد أبرز مؤسسى التيار السلفي المصري المعاصر (ما حطم الإنسانية كلها إلا الصوفية).

ويَنظر كثير من المفكرين أمثال مالك بن نبي إلى الصوفية باعتبارها إحدى أنجح الوسائل وأقواها  لتخدير العقل المسلم. وفقدان فاعليته في الحياة. وعليه فإن الطرق الصوفية كانت دائما أجل خدمة تُقدم للاستعمال. ولذلك يرتبط ازدهارها بأوقات تخلف الأمة وانحدارها.

الصوفية وسقوط الدول

يعزي كثير من مؤرخي المسلمين سبب سقوط الدولة العثمانية إلي انتشار البدع والخرافات التى روجتها الصوفية قبيل سقوط الدولة. كما سقطت الدولة العباسية بسبب الفتن التى روجها المتفلسفة، وأتباع التيارات الصوفية الباطنية.

وكأنهم يقولون: إذا أردت أن تهدم بلاد الإسلام فعليك بالصوفية.

هدفنا أن نؤصل فى هذه الدراسة لوجهة نظر موضوعية، تستند على أُسس منهجية، بعيدة عن الشطحات، وغير متأثرة بالاتجاهات والآراء التى تميل إما إلى أقصي اليمين، وإما إلى أقصي اليسار. نتناول فيها الصوفية منذ نشأتها مروراً بتطورها. ونؤصل لأفكارها ومصادر هذه الأفكار، حتى يتثنى لنا أن نرى هذا التيار بشموليته. كي تتمكن من حسم موقفنا منه سواء بالسلب أو الإيجاب.

التصوف ما هو؟!

يعرف التصوف بأنه  منهج أو طريق يسلكه العبد للوصول إلى الله، وذلك عن طريق تدريب النفس علي العبادة والبعد عن ملذات الدنيا، وتربية النفس، وتطهير القلب والسمو بالروح.

اختلف الباحثون فى أصل الكلمة ونسبتها. فالصوفية تقول: أن كلمة صوفي تشتق من الفعل (صوّف)، فصار صوفياً، والصوفية هم المتعبدون، وقال آخرون إنه مشتق من الصفاء لأن الصوفية أهل الله وخاصته وهذا الاشتقاق فاسد من حيث اللغة، قال القشيري رحمه الله  معلقاً على ما قالوه: {ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس والظاهر أنه لقب ومن قال اشتقاقه من الصفا أو من الصفة، فبعيد من جهة القياس اللغوي. قال: وكذلك من الصوف… قلت: والأظهر إن قيل بالاشتقاق إنه من الصوف، وهم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف}.

وفي أقدم كتاب للصوفية، يرجع أبو نصر السراج أن الكلمة مشتقة من(الصوف) لأن الصوف كان رمز الأولياء ولباس الأنبياء.

أما غير الصوفية من الباحثين، سواء من منتقدي الصوفية أم من غيرهم، فيرجعون أصل الكلمة إلى مصادر مستوردة بعيدة كل البعد عن الإسلام أو عن الاشتقاق العربي للكلمة.

فهذا جوزيف فون هامر فى كتابه تاريخ البلاغة عند الفرس {أن الصوفية ينسبون إلى الهنود القدماء المعروفين باسم الحكماء، وأن الكلمتين العربيتين (صوفى وصافى)مشتقتان من نفس الأصل اليوناني Sophos}والتي تعني الحكمة الإلهية.

ويقال أن أول من أدخل هذا الاسم في الإسلام هو إبراهيم بن أدهم.

التصوف.. لماذا؟

يُثير التصوف باعتباره نمطاً جديداً أو مختلفاً أو لنقل متميزاً في العبادة سؤالاً وجيهاً، دفع المستشرقين  فى القرن التاسع عشر إلى أن يكثفوا من أبحاثهم لمعرفة إجابته والسؤال هو: لماذا ظهر التصوف؟

نفس السؤال يطرحه فى الواقع خصوم التيار، باعتباره سؤالاً ملغماً، يوحي للقارئ قبل أن يجد الإجابة حتي إلى اعتباره بدعة جديدة في الدين لا أصل لها. وأكبر الشواهد على ذلك قوله تعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا..). فلو كان التصوف من الدين فلماذا لم يبينه الله؟! ولو كان خيراً، لماذا لم يحثنا عليه النبي صلى الله عليه وسلم؟ هكذا يقول خصوم التيار.

ولكن الباحثين والمستشرقين كان لهم رأى آخر، فأرجعوا التصوف ونشأته إلى مجموعة من العوامل التى كان لها أكبر الأثر فى نشأته ومن ثم تطوره وازدهاره وهي:

1-العوامل الإجتماعية

نشأ التصوف تاريخياً فى زمن انتشر فيه الترف وحب الدنيا والبعد عن الدين. فكان التصوف من بعض الزهاد، و على رأسهم أئمة كالحسن البصري رحمه الله فى محاولة خفية للثورة على النظام الاجتماعى القائم، وتذكير الناس بالهدف الذي جاء من أجله الإسلام.

2-العوامل التاريخية

بدأ التصوف بالانتشار ولاسيما الفلسفي منه فى مستهل القرن الثانى الهجري، بعد ترجمة حكمة اليونان وعلمهم. فتأثر كثير من المسلمين بعد إطلاعهم على فلسفة اليونان بمذاهبهم العقلية فى الوصول إلى الله. حاولوا التوفيق بينها وبين إلاسلام، مقتبسين منها ما اعتقدوا إنه يناسبهم.

3-العوامل النفسية

كما يقول الفلاسفة والمؤرخون: رواسب القديم تبقى دائماً، فلايمكن لنظام إجتماعي أو اعتقادي جديد أن يطغى على القديم بالكلية فيغيره .

هكذا كان الحال بالنسبة للإسلام كنظام اعتقادي سيطر على مجتمعات لم تستطع أن تتحرر من سلطة  معتقداتها القديمة ورواسبها، وفى نفس الوقت أرادت الدخول للدين الجديد نظراً لغلبته وقوته وسيطرته. فحاولت إدخال بعض من معتقداتها القديمة فى الإسلام كآلية من آليات الدفاع النفسي.

وإذا كان هذا رأى غير الصوفية سواء من الباحثين أو المؤرخين، فإن للصوفية رأى آخر. فهم يبررون نشأة التصوف بإعتباره مسلكاً فى الزهد والورع اتبعه النبى الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام من بعده. ألم يكن النبى زاهداً ورعاًً؟ يسألون.

ألم يكن الصحابة الكرام وتابعهيم رضوان الله عليهم زاهدون بعيدون عن ملذات الدنيا وزخارفها، متأملون فى خلق الله وحكمته ؟!

وبالنسبة لما يسمى بالتصوف الفلسفى أو العقلى فلهم فيه مبررهم أيضاً. فالتصوف في بداية أمره كان قرين العبادة والزهد، كما أسلفنا القول. ولكن الخاصة من المسلمين استرعتهم بعض المعانى الدقيقة والرقيقة في آن واحد. فاضطربت عقلوهم، وقلقت أفئدتهم. فبدأوا يتعمقون فى هذه المعاني فأفاض الله عليهم من واسع علمه وحكمته. فما لكم تنكرون على أهل الله وخاصته أيها الجهال؟!! هكذا يقولون.

البداية والتطور

ظهر التصوف  في الإسلام في القرن الثانى الهجري على يد هاشم الكوفي، ثم نما وازدهر وتنوعت مذاهبه وطوائفه إلى أن بلغ ذروته فى أواخر القرن الثالث الهجري.

وتنقسم الصوفية إلى اتجاهان رئيسيان: التصوف السني، والتصوف الفلسفي.

وقد بدأ التصوف فى بدايته كنوع من الزهد والعبادة المستقاه من القرآن الكريم والسنة النبوية المطرة، وكان من كبار المتصوفة الأُوَل الذين أخذوا بهذا النوع من العبادة، الأمام الحسن البصري رضي الله عنه.

ثم مالبث أن تحول إلى التصوف الفلسفي وأُدخل فيه أنواع من الرياضات والعبادات والعقائد التى لا تمس الإسلام من قريب ولا من بعيد.

الصوفية زهد أم زندقة؟! – الجزء الثاني

المصدر
مقدمة ابن خلدون دار الفكر بيروت ص467التعليق على مدارج السالكين لابن القيم حامد الفقيأضواء على التصوف للدكتور طلعت غنامنشأة الفكر الفلسفى فى الاسلام لد على النشار نقد التصوف لد احمد قوشتىنقد العقل العربى محمد عابد الجابرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى