ثقافة و فنون

الصوفية: زهد أم زندقة؟ (6)

تحدثنا في الجزء السابق عن التحامل الشديد من قبل السلفية الحديثة على التصوف جملة وتفصيلا دون التفريق بين تصوف سني أو تصوف بدعي أو فلسفي، كما أنهم ألصقوا بالتصوف كله الشرور والآثام واعتبروه سبب بلاء الأمة ونكبتها.

وفي المقابل فإنهم يبررون هذا الفعل بإنه مسلك السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، وأن المنهج السلفي هو المنهج الحق الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم، ويثنون في المقابل على أئمة السلف أجل الثناء، ولاسيما من كان يحارب بدع المتصوفة في عصره كالإمام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله.
ويصف حامد الفقي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيقول (إنه علم الأعلام، إمام المجاهدين الصابرين، وآية من آيات الله في وقته1.)
ويقول عنه رشيد رضا (إنه شيخ الإسلام الذي لم يأت الزمان بنظير له في الجمع بين العلوم النقلية والعقلية، وقوة الحجة في نصر مذهب السلف على المذاهب الكلامية كلها ببراهن عقلي2).

ورغم هذا الاحتفاء الكبير بشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلا أنهم يغفلون عن أن الرجلين كانا منصفين مع الصوفية وأهلها رغم كثرة المكائد الشخصية التي تعرض لها ابن تيمية نفسه على أيدى الصوفية ودخل بسببها السجن مراراً. فابن تيمية وابن القيم وغيرهما من علماء السلف لم يهاجموا التصوف لأنه تصوف وفقط ولكن هاجموا التصرفات الخاطئة التي يقترفها بعض أهل التصوف وشتان بين الأمرين.

وأكبر الأدلة على اختلاف السلفيين المحدثين عن سابقيهم، هو المدح والثناء من قبل ابن تيمية وتلاميذه للمعتدلين من أئمة التصوف، بل وشرح كتبهم والثناء عليها كما فعل ابن القيم بشرحه كتاب مدراج السالكين للإمام الصوفي المعروف  أبو إسماعيل الهروي رحمه الله تعالى. بل أكثر من ذلك فكثيراً ما وصف ابن تيمية وتلاميذه أئمة التصوف هؤلاء بأنهم أئمة الهدى والدين، وأصحاب لسان الصدق في الأمة، وعلى الاعتقاد الصحيح.

بل الأكثر من ذلك أن ابن تيمية نفسه قد رد على المغالين في ذم التصوف وأهله دون التفرقة بين تصوف صالح أو طالح (وأنت تجد كثيرا من المتفقهة إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئاً، ولا بعدهم إلا جهالاً ضلالاً، ولايعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئاً ،بل يري المتمسك بهما منقطع عن الله، وإنه ليس عند أهلها شيئ مما ينفع عند الله، والصواب أن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا حق، وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا باطل3). وقال تلميذه ابن القيم (والتصوف؛ زاوية من زوايا السلوك الحقيقي، وتزكية النفس وتهذيبها، لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومعية من تحبه4.)

وإذا أردنا أن نعلم سبب هذا العداء للتصوف وأهله من قبل السلفية الحديثة وما قابله من ردة فعل عنيفة من قبل المتصوفة أنفسهم لابد أن نذكر تلك الأسباب.

أولاً: ظروف النشأة

من أهم أسباب تلك العداوة هي ظروف النشأة، فقد انخرط كثير من كبار السلفيين المحدثين في الطرق الصوفية في بداية عهده بالتدين، واطلعوا على كثير من خبايا التصوف و بدعه، وظلت هذه التجربة ملاصقة لهم، مخلفة أكبر الآثار في نفوسهم، ومن ثم كان الحكم على الاتجاه الصوفي برمته قاسياً لا يفرق بين حق وباطل، بل وضعوا التصوف كله في ميزان الضلال وحكموا على معتنقيه بالبدع والشرك.
يقول حامد الفقي ( ولقد كُنت في حياتي الأولى سالكاً مع السالكين، وملبساً مع الملبسين، ومخرفاً مع المخرفين) 5.

ثانياً: الاختلاف العقدي

بينما ينصب جل اهتمام السلفية بالجانب العقدي يصعب أن تعثر على تأصيل اعتقادي واضح وجلي لدى أي تيار صوفي باستثناء أصحاب التصوف الفلسفي. ولذلك اختلف فيهم العلماء فهم يعتبرون على اختلاف طوائفهم وطرقهم فرقة مستقلة اعتقاديا أم يدخلون تحت مظلة أهل السنة والجماعة؟!
فالبعض عدهم فرقة مستقلة كالإمام الرازي وابن حزم رحمهما الله. وعدهم آخرون من أهل السنة والجماعة وخاصة أنهم يقولون بكثير معتقدات أهل السنة!
ولكن الإشكالية الكبرى تكمن في تفرق الصوفية أنفسهم على المعتقدات دون أن ينتظموا تحت معتقد واضح لهم.

وإن كان كثير من الصوفية المحدثين أشاعرة فإن ذلك يرجع إلى الارتباط التاريخي بين المذهب الأشعري منذ بدايته وبين التصوف، ويعد ذلك سبباً آخر لعداوة السلفية للصوفية ولاسيما بعدما استحوذ الأشاعرة على أكثر من ثمانين بالمائة من إجمالي العالم السني.

ثالثاً: غلو المتصوفة وتشددهم

من المعروف أن الله لم يخلق الناس متماثلين وإنما خلقهم مختلفين لواسع حكمته ومقتضى علمه.
فكما في كل ملة السهل اللين، ففيها كذلك المتعصب المتشدد الذي يغالي ويعالي فيما يظن ويعتقد حتى يجعله الحق الأوحد ويعتبر معتقد غيره الباطل البين.
وتلك أكبر مشاكل الأمة على مختلف العصور، ولكن يزداد المصاب، وتنتشر البلية عندما يسيطر المتشددون على قيادة الطائفة أو الفرقة، فحينها يبثون الغلو والتشدد إلى نفوس أتباعهم.

وفي المقابل، ولأن الأمر ليس بالهين، فتجد التشدد يقابل بتشدد أكبر منه، والغلو يقابل بغلو أكبر وتتأزم الأمور، ويصبح الخلاف اليسير معضلة كبرى قد تسال فيها الدماء، ويكفر الناس بعضهم بعضا، وهذا ماحدث.
سيطر غلاه المتصوفة على الطرق الصوفية فغالوا في التصوف، ولم يجعلوه كسابقهيم طريقة للسير إلى الله، وسبيل للوصول إلى مرضاته، بل جعلوا التصوف هو الإسلام والإسلام هو التصوف وكل من شذ أو خالف وصف بأبشع الأوصاف كما يقول الغماري عندما قال: ( من دخل في طريق القوم، والتمس البركة من أهلها ونال الحظوة بسبب الانتماء إليها، وهذا أمر معلوم يدركه من قرأ تراجم العلماء، وتتبع سيرهم، واستقصى أخبارهم، ومن لم يعرف ذلك أو لم يعتد به فهو جاهل متعنت، لا اعتداد به ولا عبرة بما يقول) ثم قال: (إن سلوك التصوف واجب متحتم لا يكمل دين المرء إلا به).

هذا الغلو والتشدد قابله غلو آخر من قبل التيار السلفي المعاصر، ولا شك أن الإنصاف واجب في مثل هذه الأمور وكلا التيارين مغالي.

رابعاً: تدهور التصوف المعاصر

يصف الدكتور عبدالحميد مدكور حال التصوف فى عصرنا الحاضر فيقول (كان حالاً فصار كاراً، وكان احتسابا فصار اكتساباً، وكان استتاراً فصار اشتهاراً، وكان اتباعاً للسلف فصار اتباعاً العلف، وكان عمارة للصدور فصار عمارة للغرور، وكان تعففاً فصار تملقاً، وكان تجريداً فصار ثريداً).

أن ينكر أي عاقل ذو نفس بصيرة أن للتصوف حسنات وهو طريق للسير إلى الله، ولكن من يرى أحوال من تسموا بالمتصوفة في العصر الحديث قد يترك الدين بكليته!
نجح هؤلاء الدخلاء والأتباع والمتملقون كما وصفهم كبار علماء المتصوفة أن يشوهوا ما بقي من حسن التصوف وفضائله؛ فكثروا البدع وارتكبوا المنكرات والآثام كبيرها وصغيرها، وفعلوا الأفاعيل باسم الدين، والإسلام منهم براء، وأكبر شاهد على ذلك ما يحدث في الموالد من مصائب يندى لها جبين أي إنسان فضلاً عن أن يكون مسلم.

خامساً:اتهام كل الصوفية بالقول بعقائد وحدة الوجود والاتحاد والحلول وغيرها

من أكبر أسباب بغض السلفية للمتصوفة اعتقادهم بأن كل المتصوفة يقولون بعقائد التصوف الفلسفي وما فيها من كفر صحيح، وخاصة أن أغلبهم بالفعل يجلون ابن عربي وغيره ممن لهم أقوال مخالفة للاعتقاد الصحيح، ولكن الإشكالية هنا أن من يرددون كلام ابن عربي وغيره لا يفهمون منه مايفهم السلفية، ويعتقدون أنه كلام حسن في الزهد والرقائق، وهذا الخلط وقع فيه الإمام السيوطي نفسه عندما كتب كتاباً برء فيه ابن عربي من تهمة الكفر، بل إن ابن تيمية اتبعه في أول حياته وأثنى عليه ثم بعد ذلك تبين له حقيقة قوله وفساد مذهبه. فالإشكالية تكمن هنا في حمل الكلام على أي محمل، فالصوفية يحملوه على محمل والسلفية يؤولوه بطريقة أخرى وهنا يقع الإشكال.

سادساً: مفهوم البدعة

من أكبر أسباب الإشكال بين السلفية والمتصوفة هو تحرير كل منهم لمفهوم البدعة، فالسلفية يفهمون المصطلح بأن كل ما لم يأتي به المصطفى صلى الله عليه وسلم في أمر الدين فهو بدعة محدثة لايجب العمل بها، لقوله صلى الله عليه وسلم: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” ولأن الدين قد تم والنعمة قد اكتملت، ولو كان في هذا الأمر المحدث خيرا لسبقنا إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو الموجي إليه من قبل الله.

أما الصوفية فلا يقولون بذلك ويقسمون البدع إلى حسن وقبيح، وإلى بدع إضافية وبدع حقيقة، ويرجع السبب في هذا الاختلاف، لاختلاف مصادر التلقي عند الصوفية التي أشرنا إليها من قبل.

يتبع..

الصوفية: زهد أم زندقة؟ الجزء الأول  

 الصوفية: زهد أم زندقة؟ الجزءالثاني 

الصوفية: زهد أم زندقة؟ الجزء الثالث

الصوفية: زهد أم زندقة؟ الجزء الرابع

الصوفية: زهد أم زندقة؟ الجزء الخامس

المصادر

1-مقدمة تحقيق كتاب اقتضاء الصراط المستقبم-حامد الفقي

2-التعليق على رسالة التوحيد لمحمد عبده-رشيد رضا

3-مجموع الفتاوى 11-18 ابن تيمية

4-مدارك السالكين -ابن القيم

5-مجلة الهدي النبوي /العدد الاول

6-حسن التلطلف في وجوب سلوك التصوف-الغماري

7-نظرات في التصوف الاسلامي- د\عبدالحميد مدكور

 
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق