ثقافة و فنون

الصوفية: زهد أم زندقة؟ (5)

مصادر الصوفية والعلاقة بينها

تحدثنا في الجزء السابق عن أبرز عقائد الطرق الصوفية بشكل عام دون أن نفصل عقيدة كل طريقة على حدة، أو دون الدخول في التفاصيل التي تميز عقائد طريقة عن أخرى ويرجع السبب  في هذا إلى أن كل الطرق الصوفية بلا استثناء تستقي عقائدها من مراجع محددة، وهذا يجعل عقائدها تتشابه حد التطابق ولا يوجد فروق جوهرية بين طريقة وأخرى
وأهم المراجع التي تستقي منها الطرق الصوفية عقائدها هي كتاب “قوت القلوب” لأبي طالب المكي وكتاب إحياء علوم الدين للغزالي.

يقول الشاذلي لتلاميذه (إذا عرضت لكم إلى الله حاجة فتوسلوا إليه بالإمام حامد الغزالي 1)

و(قال الجامي عن قوت القلوب مجمع أسرار الطريقة، ولم يصنف مثله في دقائق الطريقة <2)

وكان الشاذلي يوصي أتباعه بالكتابين فيقول (كتاب الإحياء يورثك العلم، وكتاب القوت يورثك النور 3)

والكتابين بينهما تشابه كبير من حيث المحتوى ولكن الإشكالية فيهما تكمن في أن هذين الكتابين اعتمدا على كتاب المحاسبي بشكل رئيسي فقد قال محقق كتاب العقل للمحاسبي عن كتاب قوت القلوب للمكي: “وقد ثبت بالدليل القاطع من أبواب ونصوص قوت القلوب للمكي تأثره الشديد الذي يكاد يكون نصياً لآراء واصطلاحات المحاسبي ليس فقط في الرعاية بل وفي المسائل في أعمال القلوب والجوارح”.

وترجع إشكالية كتب المحاسبي بصفة عامة إلى كثرة الموضوعات والافتراءات على حديث رسول الله والذي تعج بها  كتب المحاسبي، لذلك حذر منها كثير  علماء السلف كما قال إمام أهل الحديث أبو زرعة عنه: (إياك وهذه الكتب، هذه الكتب بدع وضلالات، عليك بالأثر، فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب، فقيل له: في هذه الكتب عبرة، قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة، هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم، يأتونا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبدالرحيم الديبلي، فما أسرع الناس إلى البدع 4)

وقال الإمام الروزي (إن أبا عبد الله ذكر حارثاً المحاسبي فقال: حارث أصل البلية، ما الآفة إلا حارث، عامة ما صحبه انتهك إلا العلاف، فإنه مات مستورا، حذروا عن حارث أشد التحذير 5)

أما كتاب إحياء علوم الدين فكما فيه من الخير الكثير وبلا شك ففيه بلايا كثيرة أيضا نظراً لما هو معروف من سيرة الإمام الغزالي وتنقله بين مذاهب كثيرة.

الإحياء: ماله وما عليه

ولذلك رد كثير من العلماء  كتاب الإحياء للغزالي وحذروا منه نظراً لنقل الغزالي فيه أقوال للسهروردي والحلاج وغيرهم ممن كفرهم الفقهاء وحكموا بزندقتهم فكتب الجوزي كتاب (إعلام الأحياء بأغلاط الأحياء )، وقال عنه: (فاعلم أن في كتاب “الإحياء” آفات لا يعلمها إلا العلماء، وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة، والموقوفة وقد جعلها مرفوعة وإنما نقلها كما اقتراها لا أنه افتراها، ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع والاغترار بلفظ مصنوع.)

وكيف أرتضي لك أن تصلي صلوات الأيام ولياليها، وليس فيها كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وكيف أوثر أن يطرق سمعك من كلام المتصوفة الذي جمعه وندب إلى العمل به، ما لا حاصل له من الكلام في الفناء والبقاء، والأمر بشدة الجوع، والخروج إلى السياحة في غير حاجة، والدخول في الفلاة بغير زاد؟! إلى غير ذلك مما قد كشفت عن عواره في كتابي المسمى “تلبيس إبليس”، وسأكتب لك كتاباً يخلو عن مفاسده، ولا يخل بفوائده”

وقال ابن الجوزي في “تلبيس إبليس”: (وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم كتاب “الإحياء” على طريقة القوم، وملأه بالأحاديث الباطلة، وهو لا يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة، وخرج عن قانون الفقه، وقال: إن المراد بالكوكب، والشمس، والقمر اللواتي رآهن إبراهيم صلوات الله عليه أنوار هي حُجُب الله عز وجل، ولم يُرد هذه المعروفات، وهذا من جنس كلام الباطنية 6).

وكما نرى التمس الجوزي رحمه الله كثير من العذر للإمام الغزالي رحمه الله فيما يراه مخالف للأثر وأرجع ذلك لتنقل الأمام بين كثير من المذاهب، وتشعب فكره في غياهب الفلسفات مما أثر عليه وجعله يتبنى بعضاً من أفكارهم، ويرجع رد الإمام الجوزي وشيخ الإسلام وغيره من العلماء المرموقين في تاريخ الإسلام لبعض الأقوال في كتاب الإحياء والتي يتبناها المتصوفة بصفة خاصة ويعتقدون بها إلى أصل ركين عند أهل السلف لايجب أن يغيب عن أذهاننا ونحن نناقش هذه القضية الهامة؛ وهو أن كل شخص يؤخذ منه ويرد عليه عدا النبي صلى الله عليه وسلم والمعيار في ذلك كتاب الله والسنة الصحيحة باعتبار كمال الدين بعد وفاته صلوات ربي وسلامه عليه، وهو ما لا يتفق عليه الصوفية بلسان الحال وليس بلسان المقال حياءاً أو خوفاً من أن تقوم عليهم الدنيا ولاتقعد، أو أن يكون مصابهم كأسلافهم المنبوذين في تاريخ الفكر الإسلامي.

ولذلك قال  عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ( والإحياء فيه فوائد كثيرة، لكن فيه مواد مذمومة، فإنه فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدواً للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين.)

وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه وقالوا: مرضه “الشفاء” يعني “شفاء” ابن سينا في الفلسفة.

وفيه أحاديث وآثار ضعيفة بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليظ الصوفية وترهاتهم، وفيه مع ذلك من كلام المشايخ الصوفية العارفين المستقيمين في أعمال القلوب الموافقة للكتاب والسنة، ومن غير ذلك من العبادات والأدب ما هو موافق للكتاب والسنة، ما هو أكثر مما يردّ منه، فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس وتنازعوا فيه 7).

وقال الإمام الذهبي عنه في سير أعلام النبلاء:
(أما “الإحياء” ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب، ورسوم، وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية نسأل الله علما نافعاً. تدري ما العلم النافع؟ هو ما نزل به القرآن، وفسره الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، ولم يأت نهي عنه. قال عليه السلام: “من رغب عن سنتي فليس مني” فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله، وبإدمان النظر في الصحيحين، وسنن النسائي، ورياض النووي وأذكاره تفلح وتنجح. وإياك وآراء عباد الفلاسفة ووظائف أهل الرياضات، وجوع الرهبان، وخطاب طيش رؤوس أصحاب الخلوات، فكل الخير في متابعة الحنفية السمحة، فوا غوثاه بالله، اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم</8) .

وقال شيخ الإسلام بن تيمية: (وبسبب كلام الغزالي في مشكاة الأنوار تشجع الاتحاديون الملحدون الذين قالوا بوحدة الوجود على ذلك، كقولهم: إن الخلق مجال ومظاهر، لأن وجود الحق ظهر فيها وتجلى 9)

وهو يحكي في كتابه كثيراً من الأمور التي لا يقبلها العقل، ولا تستقيم على ميزان الشرع دون أن ينكرها. ومن ذلك قوله (وقيل له ـ أي بضع العارفين ـ بلغنا أنك ترى الخضر عليه السلام؟ فتبسم وقال: ليس العجب ممن يرى الخضر، ولكن العجب ممن يريد الخضر أن يراه فيحتجب عنه 10)!!.

 

قطوف من الإحياء

ونقل  أبي حامد الغزالي عن أبي يزيد البسطامي قوله: (أدخلني ـ الله ـ في الفلك الأسفل فدورني في الملكوت السفلي وأراني الأرضين وما تحتها إلى الثرى، ثم أدخلني في الفلك العلوي، فطوف بي في السموات، وأراني ما فيها من الجنات إلى العرش. أوقفني بين يديه فقال: سلني أي شيء رأيته حتى أهبه لك؟ فقلت: يا سيدي ما رأيت شيئاً أستحسنه فأسألك إياه. فقال: أنت عبدي حقا تعبدني لأجلي صدقاً… 11″

ونقل عن أبي تراب قوله: (لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة.. 12)

إلى غير ذلك من الأمور المنكرة التي يسميها الغزالي “مكاشفات” ويطالب الناس بعدم إنكارها والاعتراض عليها.
ونختم بما قاله الذهبي رحمه الله (فرحم أبا حامد، فأين مثله في علومه وفضائله ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ، ولا تقليد في الأصول 13).

كتاب القوت يورثك النور

يعد الشاذلي إمام فحل من أئمة الطرق الصوفية ومحل تقديس الملايين حول العالم، تزار مزاراته، تشد إليه الرحال من بقاع الدنيا من جانب أتباعه، وتعد طريقته من أكبر الطرق من حيث عدد الأتباع.

ونراه كما ذكرنا يحث أتباعه ومريديه على التمسك بكتابي القوت لأبي طالب والأحياء للغزالي، وبعد أن تناولنا أقوال العلماء في الإحياء وعرجنا علي مقتطفات منه وجب أن نذكر ما يحويه كتاب القوت من عقائد وأفكار والتي تعد كما ذكرنا جامع مشترك لعقائد الطرق الصوفيه على تنوعها.

يحوى الكتاب بين طياته على بعض العقائد الخطيرة، أولها عقيدة الحلول والاتحاد يقول “ولولا أن التوحيد لم يرسمه عالم قط في كتاب، ولا كشفه علام في خطاب.. لذكرنا من ذلك ما يبهر العقول ويبهت ذوي المعقول.. وإفشاء سر الربوبية كفر14 “وقد يعتقد البعض إن الكلام مجازي وهدفه تنزيه حقيقة  التوحيد ولكن تتمة الكلامة تفصل المراد فيقول “وقال بعض العارفين: من سرح بالتوحيد وأفشى الوحدانية فقتله أولى من إحياء غيره 14” ومقصده بذلك الحلاج لأن الصوفية لايعتقدون كفر الحلاج بسبب قوله بالحلول وإنما يرى بعضهم إنه مستحق للقتل لأنه أفشى أسرار الخاصة للعوام.

ولكن هذا التأويل والتحامل على أبي طالب المكي ووصف كتابه بأنه حاوي للبدع ومهد لعقائد الفلاسفة الملاحدة لم يروج إلا حديثاً على أيدي السلفية العلمية الحديثة وأكثر من تحامل عليه عبدالله السهلي في كتابه الطرق الصوفية ، أما  أهل السلف الأقدمين فأثنوا عليه وترجم له ابن كثير في البداية والنهاية ووصفه بالعابد الصالح، كذلك أثنى عليه ابن تيمية والتمس له العذر في بعض الأخطاء التي وصفها بالبسيطة وقال إنه على اعتقاد أهل السنة والجماعة.

ولعل التحامل على أهل التصوف الصالح منهم والطالح من قبل السلفية المعاصرة ووصفهم بالقبوريين والمشركين يرجع إلى جملة من الأسباب والتي سنتعرف عليها في الجزء القادم.


1-قضية التصوف المدرسة الشاذلية لعبدالحليم محمود
2-نفحات الانس
3- أبو الحسن الشاذلي للدكتور عبدالحليم محمود
4- تاريخ بغداد ج8
5- طبقات الحنابلة ج1
6-تلبيس ابليس لابن الجوزي
7-مجموع الفتاوى 10/55.
8-سير أعلام النبلاء 19/339:
9-درء تعارض العقل والنقل 10/283.
10-الاحياء 4/200
11-” الإحياء 4/356.2
12-الاحياء 4/356
13-سير أعلام النبلاء 19/346.

14-قوت القلوب ج2

 

 
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق