ثقافة و فنون

الصوفية: زهد أم زندقة؟ (4)

بداية الخلاف

تحدثنا في الجزء الثاني من هذه السلسة عن أبرز أنواع التصوف وأكثرها انتشاراً في العالم الإسلامي، ألا وهو التصوف السني، دون التطرق لذكر المراحل التي مر بها هذا التيار منذ نشأته، والتي كانت متفقة كثيراً مع أصول الإسلام وعقائده. بل وكان أعلام هذا التيار محلاً للاقتداء، ونموذجاً يحتذى به في تطبيق   صحيح الإسلام، إلا أن الدنيا ما عودتنا دائماً أن تبقى على حالها، فسرعان ما أختلفت الأوضاع، وتبدلت الأمور كثيراً.

وكانت بداية التغير عندما انتسب أقوام إلى التصوف  في القرون الثلاثة الأول زادهم في العلم قليل، وحظهم من الفهم أقل، بل كان بعضهم يحذر أتباعه من اكتساب العلم والتفقه في الدين!!

وبسبب ضعف علمهم، وتهيج عواطفهم لخدمة هذا الدين بدأ بعضهم في وضع الأحاديث المكذوبة والاستعانة بالاسرائيليات للتأكيد على صدق كلامهم، مما جعل مؤلفاتهم أشبه بسلاسل الأحاديث الموضوعة التي لا يوجد فيها سوى حديثين من صحاح الأحاديث، ولذلك بدأ علماء الحديث يحذرون من كتبهم ومروياتهم  وهنا كانت بداية الخصومة!

ومن أبرز هذه الكتب التي حذر منها العلماء  كتب الحارث المحاسبي، وأبو طالب المكي.

وكان نتيجة تحذير الفقهاء  من مواعظهم وكتبهم، ووصف ما فيها بالبدع والضلال، أن اتخذ هؤلاء موقفاً كان أشد وطأة على عموم المسلمين وعلماءهم على حدٍ سواء.

 الطرق الصوفية السنية: البداية

كان من أكبر أسباب العداء بين الفقهاء والمتصوفة فى نهاية القرن الثالث الهجري هو اتخاذ المتصوفة دوراً للعبادة غير المساجد لممارسة حلقات الذكر والتعبد، وهو ما أدى إلى استعار العداء بينهم وبين الفقهاء على وجه الخصوص، وتلك كانت البداية لنشأة الطرق الصوفية كما نعرفها بشكلها الحديث.

إذا كان من الثابت تاريخياً أن الصوفية استنسخوا هيكلهم العام من الشيعة الإمامية على يد معروف الكرخي الذي كان مولى الإمام علي بن موسي الرضا  قبل أن يترك التشيع ويتصوف، فإن الطرق الصوفية بشكلها الحالي أُسست على يد سعيد محمد الميهي الصوفي الفارسي عام 430 هـ.

وعليه يميل خصوم  الصوفية (وخاصة محاربي التشيع ) إلى لصق تهمة التشيع المبطن بالطرق الصوفية، باعتبار مؤسسيها الأوائل كانوا إما متشيعين سابقين، وإما فرساً يكنون بلا شك العداء للإسلام ويحاولون هدمه، ولم لا وقد تشيعت كثير من الطرق الصوفية الباطنية بعد مدة من الزمن بلا سابق إنذار، والمثال الراسخ في ذلك الحركة الصفوية  في إيران بقيادة  الشيخ صفي الدين الأردبيلي، و التي بمجرد إستيلائها على حكم إيران أفصحت  عن حقيقة مذهبها وأٌعلن التشيع، ولم يبق رأساً على رأس، ولا حجراًعلى حجر في فارس فكانت الدولة الصفوية  أكبر الأعداء للدولة العثمانية، وخنجراً مسموماً في ظهر المسلمين، أسامتهم سوء العذاب وفعلت ما لم يفعله الروم ولا اليهود.

أسس إذاً الميهي الطرق الصوفية ووضع الهيكل التنظيمي لها، مؤسساً علي الوراثة كما تحصر  الشيعة الإمامية  الإمامة على ورثة النبي محمد صلي الله عليه وسلم.

وبعد ذلك تم تصدير هذا النظام إلى المشرق الإسلامي وأُسست أول الطرق الصوفية على يد عبدالقادر الجيلاني عام 561هـ، وتعد الطريقة القادرية أكبر الطرق الصوفية  عدداً و أوسعها انتشاراً حتى يومنا هذا.

الطرق الصوفية والتشيع

ربما يثار البعض فى بداية قراءة أولى السطور، ويصاب بكثير من الحيرة، وربما يتهم الكاتب كذلك بالكذب والافتراء!! ولم لا و أمامنا نماذج كثير من المتصوفة من أرباب العلم والدين، بل الأدهى من ذلك أن الكثير من علماء الأزهر ممن يشار إليهم بالبنان متصوفة، بل وكثير منهم ينتظمون في طرق صوفية، بل والأكثر من ذلك فبعضهم من مؤسسي تلك الطرق!!

هل تتهم هؤلاء العلماء الربانين أيها الكاتب المتعجرف بالتشيع؟!

هل تتهمهم بالتستر بالتصوف لمحاولة هدم الدين؟؟؟!!

من أنت وما لديك من مؤهلات وعلم حتى تدعى هذا؟؟؟

مهلاً عزيزي القارئ فأنا لا أتهم أحداً، جل ما أفعله هو أنني أنقل من قول  معلمنا التاريخ، الذي لا يعرفني كما لا يعرفك حتماً.

كما أنني لا أدعي كذلك أن كل الطرق الصوفية تكن عداءاً مبطاناً للإسلام وتحاول هدهم الدين، حاشا لله..

كل ما أنقله هو رأي إحدى التيارات التي أنبرت فى الدفاع عن السنة في ظل الزحف  الشيعي المتزايد علي ديار أهل السنة، وكلامهم لا يخلوا من وجهة نظر معتبرة، وإن كان في الوقت ذاته متحاملاً أكثر من اللازم.

ولكن ما لا يستطيع أحد إنكاره إن كان لديه من البصيرة القليل أن التصوف كما تخطه هذه الطرق، وكما تعلمه لتابعيها ومريدها هو الخطوة الأولى للتشيع ولا سيما إذا عرفنا أن مصادر التلقي عند هذه الطرق المنتسبة لتيارات السنة، ومصادر التلقي عند الشيعة تكاد تتطابق!

مصادر التلقي عند الطرق الصوفية

يعد القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة المصادر الوحيدة للتلقي الدين عند أهل السنة والجماعة باعتبار أن الوحي أنقطع بعد النبي صلوات ربي وسلامه عليه.

أما الطرق الصوفية باختلاف أنواعها فإنها تعتمد مصادر أخرى للتلقي بجانب القرآن والسنة النبوية، وهذه المصادر هي:

1- الكشف

يعتبر الكشف من مصادر التلقي الاعتقادية لدى ( كثير) من معتنقي التصوف، ويقصد به أن يزول الحجاب عن الولي العارف، فينظر فيما وراء الحجب، فيطلعه الله تعالي من فيض كرمه على مايشاء من الأمور الغيبية.

وقد يكون هذا الكشف عن طريق الله تعالي  مباشرة، أو عن طريق النبي صلي الله عليه وسلم، أو عن طريق الخضر عليه السلام.

2- الإلهام

يعتبر الإلهام من ثاني مصادر التلقي عند الصوفية وهو ما يقذف في نفس العارف مباشرة من الله تعالى، وهذا المصدر لا يعتقد به سوى غلاه المتصوفة، أما المعتدلين منهم فلايقولون به.

3-الهواتف

وهو ثالث مصدر للتلقي عند صوفية الطرق، ويقصد به سماع الهتاف من الله تعالى في حال اليقظة  أو النوم، وقد يكون كذلك بواسطة الأولياء الصالحين المتوفين، أو بواسطة الملائكة أو الجن الصالح.

4-الرؤى والمنامات

وتعد رابع المصادر وأكثرها شيوعاً عند الصوفية، وفيها يتلقون الأحكام الشرعية أو يطلعون على الأمور الغيبية بواسطة الرؤى الصادقة، حيث يلتقون بالله تعالى، أو النبي الكريم، أو حتى بشيوخهم الصالحين.

5- الإسراءات والمعاريج

ولا يقصدون هنا الإسراء والمعراج الخاص بالرسول عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم، وإنما يقصد بهذا الإسراء والمعراج الخاص بأولياؤهم، وفيها تعروج روح الولي إلى العالم العلوي، وتجول  هناك، ثم تأتي إلى العوالم الأرضية  بشتى العلوم والأسرار.

الانتساب إلى الطرق الصوفية

يعتقد كثير من الناس أن حضور الموالد، وحضرات الصوفية من منتسبي الطريقة وأتباعها، وهذا خطأ فادح فيجب التفرقة بين أتباع الطرق من العوام الذين يلقبون (بصوفية الأذكار) وبين المريدين المنتسبين إلى الطريقة، ويحملون عقائدها، ويعلمون خباياها.

ولذلك فإن هناك شروط عامة في الانتساب للطرق الصوفية، وهناك شروط خاصة بكل طريقة.

أما الشروط العامة فهي:

  • الأخذ عنهم، “والأخذ” أقسام:
    1ـ أخذ المصافحة (العهد ) والتلقين والذكر، ولبس الخرقة الخاصة بهم.
    2ـ أخذ رواية، أي قراءة كتبهم من غير حلّ لمعانيها.
    3ـ أخذ دراية، أي حل كتبهم لإدراك معانيها من غير عمل بها.
    4ـ أخذ تدريب وتهذيب وترقّ في الخدمة بالمجاهدة والمشاهدة والفناء.

يتبع..

الجزء الأول: الصوفية.. زهد أم زندقة!؟

الجزء الثاني: الصوفية.. زهد أم زندقة؟ (2)

الجزء الثالث: الصوفية: زهد أم زندقة؟ (3)

برجاء تقييم المقال

المصدر
الطبقات للشعرانيالفتوحات المكية الصلة بين التصوف والتشيع بنية العقل العربىطبقات الصوفية
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق