ثقافة وفنون

الصوفية: زهد أم زندقة؟ (٢)

الحياة الروحية في الإسلام

يقسم كثير من المؤرخين الحياة الروحية في الإسلام إلى مصادر ثلاثة وهي:

1- الزهد

2- التصوف السني

3- التصوف الفلسفي

و سبب هذا التقسيم أن الباحثين يرجعون كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة  إلى مصدر مختلف، وعليه يختلف الموقف من كل قسم منها في رأي الفقهاء.

أولاً : الزهد

وقد ظهر الزهد مع بداية الدعوة الإسلامية من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وقدوتهم في ذلك النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم.

و قد وردت الكثير من الآيات والأحاديث النبوية الصحيحة التى تحث على الزهد في الدنيا، والبعد عن متاعها الزائل  فقال تعالى: ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ.)، وفى موضع آخر (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله تعالى جعل الدنيا كلها قليلاً، وما بقي منها إلا القليل من القليل، ومثل ما بقي منها كالثغب شرب صفوه وبقي كدره.

وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرا منها شربة ماء.

واستمر الزهد على هذا المنوال في القرن الأول والثاني الهجري دون أن يختلط بهذا النمط من التعبد أي أطوار أو مسميات غريبة تبعده عن أصله الأول الذي سار على نهجه النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام من بعده.

ولم تكن كلمة (الزهد ) منتشرة في ذلك الوقت، أو تدل على هؤلاء العباد، بل ظهرت بعد ذلك على يد ابن الجوزي حينما أراد أن يقسم الحياة الروحية في الإسلام، ثم على يد ابن خلدون من بعده عندما أفرد فصلين في مقدمته للتصوف.

كذلك لم يظهر في الأجواء في تلك الفترة مصطلح (التصوف) وما صحبه بعد ذلك من أنماط تعبدية خاصة بأصحاب هذا النهج من العبادة، ولذلك دأب المؤرخون من قديم الزمان سواء المؤيدين أو المعارضين للتصوف على الفصل التام بين مرحلة الزهد ومرحلة التصوف بشقيه الفلسفي والسني على حد سواء.

ثانياً: التصوف السني

ظهر التصوف السني في أواخر القرن الثاني الهجري، وكان رداً على انتشار الترف والمجون في المجتمع المسلم وانشغال الناس بالدنيا والبعد عن الدين الحنيف.

ولكنه ظل في تلك المرحلة متمسكاً بأصول الإسلام، مبتعداً عن التأويل ومتبعاً لنهج السلف في الزهد والتعبد، وكان غالب متتبعيه من العلماء والفقهاء والزهاد والذين لا يزالوا أعلاما للدين حتى وقتنا الراهن.

ولم يكن التصوف السني في ذلك الوقت سوى أحوال تعبدية، وسمات، وأخلاق خاصة يتصف بها المنتمون لهذا التيار .

وكان أغلب ما يميز هذا التيار البعد عن فتن ذلك الزمان، وعن الحكام، والسلاطين، وعن مباهج الدنيا ومفاتنها، ولذلك سموا في بادئ الأمر (بالمعتزلة)، وليس المقصود هنا المعتزلة الكلامية، وإنما معتزلي الدنيا والفتن في آن واحد.

كان من أشهر هؤلاء الإمام الحسن البصري والجنيد والمحاسبي وابن المبارك.

ثالثاً: التصوف الفلسفي

وينقسم التصوف الفلسفي إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى: كانت عبارة عن محاولة تأويل فلسفي لما يقول هؤلاء المتصوفة أنه يطرأ عليهم  من حالات الكشف، والشهود والفناء وغيرها.. ولم يظهر في تلك المرحلة مذهب متكامل الأركان. وكان من  أعلام هذه المرحلة الحلاج وذي النون المصري والبسطامي.

المرحلة الثانية: كانت محاولة لتفسير أصل الوجود ونظام المعرفة، أو بمعنى آخر تم التقعيد والتنظير بطريقة فلسفية متشحة بثوب إسلامي للكليات الكبرى وهي الإنسان والدين والعالم.

ومن هنا ظهرت المدارس والمذاهب الصوفية الفلسفية، وما أُطلق عليه فيما بعد نظم المعرفة الإشراقية.

وكان من رواد هذه المرحلة محي الدين بن عربي والسهروردي المقتول.

مصادر التصوف الفلسفي

اختلف الباحثون والمؤرخون في مصدر التصوف الفلسفي، فقال البعض أنه هندي المصدر، ونسبه آخرون إلى النصرانية، بينما أرجع فريق ثالث التصوف الفلسفي إلى الغنوصية، وخالفهم فريق رابع ونسبه إلى الافلاطونية الجديدة، بينما قال التيار الخامس بيهودية مصادر التصوف الفلسفي.

نظرية المصدر الهندي

استند أصحاب هذا الاتجاه في تأييد وجهة نظرهم بالآتي:

1. عقيدة التناسخ وما تؤدي إليه من عقيدة الحلول والاتحاد هي إحدى أبرز العقائد الهندية، حتى إن عدم القائل بالتناسخ في الهندوسية لم يعد يدين بالملة. وهو ذاته قول لأحدى مدارس  الصوفية.

2. ما يفعله الصوفية من طرق في العبادة والرياضة والتفكير وطرقهم في الذكر، وبين ماورد في الكتب الهندية من أدعية وعقائد تمارس بنفس ذات الطريقة.

3. التحلل من الفرائض، وترك الشعائر، وقصرها على العامة دون الخاصة لهو من أخص خصائص طريقة (باتنجل)الدينية الهندية.

4. التشابه الكبير بين مذهب( النيرفانا) البوذي، وبين عقيدة الصوفية في الفناء .

5. التشابه الكبير بين العقيدة البرهمية في وحدة الوجود وبين نظريتها الصوفية.

6. فكرة تعدد الوسطاء وشفاعتهم عند الصوفية مقتبس من الهنود.

نظرية المصدر المسيحي

استند أصحاب هذا الاتجاه في تأييد وجهة نظرهم بالآتي:

1. أول خانقاه بنيت للصوفية كانت بفلسطين، بالرملة وأسسها أمير مسيحي مقتبساً ذلك من أديرة الرهبان.

2. كان كثير من عرب الجاهلية رهبانا وقساوسة وقد تأثر العرب بهم.

3. كثير من أفكار الصوفية هي أفكار كهنوتية تم تحويلها إلى الإسلام، وإلباسها لباسا صوفيا وذلك مثل (حلول الاهوت في الناسوت) والتي قال بها الصوفية بأن  الله يحل في الإنسان إذا بلغ درجة كبيرة من الصفاء الروحي.

4. القول (بالكلمة) وقد قال بها الصوفية في تعبيرهم عن الحقيقة المحمدية كما يزعمون.

5. نظرية الصوفية في العشق الإلهي نُص عليها في الإنجيل في قصة العباد الثلاثة.

نظرية المصدر اليهودي

استند أصحاب هذا الاتجاه في تأييد وجهة نظرهم بالآتي:

– كان تأثير اليهود كبير ا في الإسلام، وأكبر الـأدلة على ذلك انتشار الإسرائيليات في كتب التفسير، والحديث مما أدى إلى نشوء علم مصطلح الحديث لتنقية كتب السنة من مروياتهم.

وقد استقى الصوفية كثيرا من عقائدهم من هذه المرويات.

2- من المعلوم أن الشيعة السبئية نقلت كثير من أفكارها من اليهود، وبدورهم نقل الصوفية منهم، ومن أبرز ما نقلوه فكرة تسلسل النور المحمدي للأئمة المعصومين عند الشيعية، وللأقطاب عند الصوفية.

3- في الفلسفة الاهوتية يكون الأصل هو الإيمان والتقل تالِ له، وهو ذاته ما قالت به الصوفية.

نظرية المصدر اليوناني

استند أصحاب هذا الاتجاه فى تأييد وجهة نظرهم بالآتي:

1- اقتران التصوف الفلسفي تاريخياً بانتقال حكمة اليونان وعلومهم إلى المسلمين وتأثر المسلمين بها.

2-المتأمل في مذاهب الصوفية في وحدة الوجود يرى أن مراتب الوجود عند الصوفية هي ذاتها عند الأفلاطونية الجديدة.

3-وضع الصوفية مجموعة من الاصطلاحات الفلسفية لكي يستروا حقيقة طرقهم في العبادة، وكثير من هذه المصطلحات مقتبس من كتب أرسطو وافلاطون.

4- يقول الصوفية بأن الحقيقة العليا لا تدرك بالفكر وإنما تدرك بالمشاهدة في حال الغيبة، وهو ذاته ما ورد بكتاب أثولوجيا لارسطو طاليس.

نظرية المصدر الغنوصي

استند أصحاب هذا الاتجاه فى تأييد وجهة نظرهم بالآتي:

1-تعد أقدم فكرة للحق الإلهي المقدس، وما تشعب عنها من أفكار تبنته طوائف دينية مختلفة سواء في المسيحية أو في الإسلام له أصول مصرية قديمة، يعود إلى الأسرة الثالثة وتجسدها أسطورة أوزيس وست.

2- قصة أوزيس هي ذات قصة الأقانيم الثلاثة في المسيحية، وقريبة من فكرة الأئمة المعصومين عند الشيعية الامامية، ونقلها الصوفية في فكرة القطب المستند إلى نور الولاية المقدسة.

بلاشك أن كثيرا من هذه الأفكار لا يستند إلى الموضوعية والتحقيق، إلا أن الكثير منها يعتبر صحيحاً في الوقت ذاته!!

يتبع..

الصوفية.. زهد أم زندقة؟! الجزء الأول

الصوفية زهد أم زندقة؟! – الجزء الثالث

المصدر
مقدمة ابن خلدونتلبيس ابليسنشأة الفكر الفلسفى فى الاسلامأضواء على الصوفية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى