مدونات

الصفات الإنسانية بأوجه حيوانية.. وتفسير العدوان البشري ضد الحيوان

عالم الحيوان من أكبر العوالم التي تضم أعدادًا وفصائل ضخمة، وعديدة، ومتنوعة. منها اللطيفة، والأليفة، ومنها المتوحشة. وإذا ما تأملنا قليلًا في أساليب العيش وأساليب البقاء، نجد أن قيم الحياة ما بين سلوكيات الإنسان والحيوان متشابهة إلى حد كبير. لذلك كرس العديد من العلماء والفلاسفة دراسات وأبحاث عديدة في تشارك الصفات الإنسانية وأساليب الحياة، والقيم الأخلاقية والسلوكية والتشابه والاختلاف والفوارق التي تفصل وتجمع بين الكائنات الحية على وجه الأرض.

لقد كان أرسطو في عبارته “الإنسان حيوان ناطق” من العبارات التي صمدت إلى يومنا هذا رغم التطورات والمتغيرات التي طرأت على المجتمعات البشرية سواء في المجال الصناعي أو التكنولوجي.
وعلى الرغم من تشارك الحيوان مع الإنسان، بالقدرة على الحس، الحركة، الشعور باللذة، والألم، والخوف، لكن ماذا عن المشاعر والصفات الأكثر تعقيداً؟

تكمن الإجابة على هذا السؤال فيما توصلت له البيولوجيا التطويرية والعلوم السلوكية والدماغية، بأن هنالك تشابه مذهل بين أنظمة الإنسان العصبية والحسية وأنظمة بعض الحيوانات، لذلك لم تعد المشاعر مقتصرة على بني البشر.

وإن الكاتب فيكتور هوغو قد تطرق في عدداً من قصائده ليؤكد على نبل سلوكيات الحيوان، وتفوقه على السلوك البشري. ففي قصيدته “الحمار” ادخل فيكتور هوغو الحمار إلى ميدان الفلسفة. وكتب أيضًا قصيدة “الضفدع” وقال في نصوصها: “إن حمارًا كان يجر عربة عائداً بها إلى المزرعة بعد نهار شاق تعرض فيه للكثر من الضرب، فصادف في طريقه ضفدعًا كان بعض الأولاد القساة قد سمروه على الأرض، ويستعدون لقتله بدحرجة عجلة فوقه، ولكن الحمار استجمع مابقى لديه من قوة بتغيير مسار العجلة القاتلة، وإنقاذ شقيه في البؤس من الموت”.

كما تطرق عالم الرياضيات الإسباني وعالم الإنثروبولوجيا بابلو هيريروس في كتابه “الذكاء العاطفي للحيوانات” إلى عدد من الصفات الإنسانية مثل الشعور بالإنصاف والتعاطف والمواساة والحزن عند الحيوانات وقدرتهم بإظهار تلك العاطفة تجاه أبنائهم، وكذلك امتلاكهم الرغبة في الانتقام والشعور بالإساءة. ومثالًا على ذلك، كنت في السابق امتلك جوزًا من نوع عصافير الكناري وعندما توفيت زوجته لم يعد يغرد، وبقى زوجها صامتًا زمنًا طويلًا إلى أن توفي بعدها بمدة.

في الحقيقة إن معايير وأسس التعامل والصفات مابين السلوك البشري والسلوك الحيواني كما ذكرنا بعضًا منها، تحمل في طياتها من التشابه إلى حد كبير، ولكن يبقى السؤال ما هو سبب عدائية الإنسان على عالم الحيوان رغم تشابه الصفات والسلوكيات وعلى الرغم من كون الإنسان قد تفوق في العديد من مجالات الحياة كما ذكرنا سابقًا، وتفضيله من الله سبحانه وتعالى على سائر مخلوقاته. فلماذا وحشية الإنسان قد طغت على إنسانيته؟

ولعلني أجد الإجابة على هذا السؤال فيما يفعله بنو البشر ببعضهم البعض، فقد طغت المصالح الشخصية وزادت الأطماع البشرية وأصبح الإنسان يصنف كأعنف المخلوقات على وجه الأرض، وذلك لقتله من بني جنسه أولاً وثانياً لاعتداءاته الكثيرة على سائر الكائنات الحية ومنها الحيوانات.

ففي القرن العشرين صنف الإنسان وحوت الأركا القاتل أكثر المخلوقات المتوحشة تفوقًا من حيث امتلاكها أدمغة معقدة بطبيعتها ومع ذلك كان حوت الأركا القاتل يبحث عن صيده خارج نوعه. ولربما بدأ جيفري موسايف ماسون كتابه “وحوش” بعبارة “هناك شيء ما يجعلنا نختلف عن المخلوقات الآخرى”. فقد أظهر ماسون في كتابه أن الحيوانات تستطيع أن تعلمنا الكثير عن الصفات الإنسانية وعن عواطفنا ومشاعرنا الإيجابية وأننا نتعلم الحب والوفاء من الكلاب ومن الفيلة الحزن، كذلك أيضًا تعلمنا الحيوانات المشاعر السلبية كالغضب والعدوانية.

وأيضًا في كتاب “وحوش” لجيفري ماسون تحدث فيه عن تميزنا عن الحيوانات والسمة البارزة في التفوق والاختلاف فقال: “إن العنف الذي نفهمه في الحياة البرية هو مجرد عملية إسقاط”. في حين تشبيه بعض التصرفات البشرية بأنها تصرفات وحشية جاءت من كون بعض البشر تستسلم للمشاعر الحيوانية التي في داخلها.

وإذا ما لاحظنا سلوك الحيوانات المفترسة نجد أنها تقتل من أجل الاستمرار في الحياة، وفي الحقيقة لا شيء من ممارسات الحيوانات العدوانية تشبه أعمال العنف من قبل الجنس البشري ضد الآخرين وأننا أصبحنا نفتقر إلى بعضًا من تصرفات الحيوانات الإيجابية، وإن الإنسان بأعماله العنيفة تجاوز الحدود ودمر كل الأشياء الجميلة من حوله. فعلى سبيل المثال يقوم الإنسان بالقضاء على الغابات، والفيلة من أجل العاج وقتل أنواع أخرى من الحيوانات من أجل فرائها، ويستغل أنواع من الحيوانات بتربيته لها من أجل استثمارها واستغلالها ماديًا.

إن موضوع طرحي في هذا المقال أولاً وأخيرًا يكمن في فهم ومعرفة أن كان مايسلكه الإنسان من سلوكيات عدائية، لها خلفيات ليست كامنة في الطبيعة البشرية، ففي الواقع الإنسان ليس مبرمجًا على تمتعه بالقسوة والوحشية، إنما في داخل النفس البشرية برنامج يدفعه إلى تلك الأفعال العنيفة، فقد اعتمد الكاتب جيفري ماسون في تحليله إلى أن معاناة الإنسان وصدماته النفسية أدت إلى عنفه المفرط، وذلك من خلال تجارب الإنسان المؤلمة التي في كثير من الأحيان تسبب خلل في سلوكيات البشر.

إن المشكلة قد بدأت عندما توجه الإنسان لملكية الأرض واستغنائه عن الحياة الزراعية البسيطة، حيث أن اختلاف توجهات الإنسان ولدت العديد من الحروب والصراعات، وبدأ الإنسان انطلاقًا من تحقيق مصالحه الشخصية بتربية الحيوانات من أجل استخدامها كصنف من أصناف الطعام وتدجين الحيوانات قد أنشئت ثقافة القسوة وإساءة المعاملة.

وتأكيدًا لما جاء به جيفري عن الصفات الإنسانية وأن الإنسان ليس مبرمجًا على العنف، فقد ازدادت أعداد النباتيين الذين أصبحوا أقرب نصرة للبيئة ولعالم الحيوان فإن استهلاك الكثير من منتجات الحيوان أو حتى استهلاكها جميعًا لم يعد يرمز لديهم حياة هانئة مليئة بالرخاء والترف، بل أسفرت عن تعدي واضح على عالم الحيوان.

وقد وجه الكاتب الأمريكي يونتان سفران في كتابه “تناول الحيوانات” توجيهًا إلى العالم عن الآثار السلبية التي أصبح يخلفها الإنسان إيذاء استنزاف الموارد البيئية التي رفعت من معدلات التلوث، وأدت إلى انقراض العديد من أنواع الحيوانات، غير الصيد الجائر وإطلاق غازات المصانع المسببة للاحتباس الحراري.

ورغم المصادر النباتية العديدة في وسائل التغذية والدعوات الكثيرة للحد من العنف ضد جميع الكائنات الحية، إلا أن عالم الانسان يبقى هو المعتدي الأقوى، وذلك باعتماد أساليب إنتاج اللحوم في أغلب بلدان العالم على حقن الهرمونات المسرعة لنمو الحيوانات.

وفي النهاية دراسة الصفات الإنسانية وسلوكيات الحيوانات يمكن أن تساعدنا بالتحلي ببعض من الإيجابيات، وإعادة بعضاً من الخصال الإيجابية التي يفترض أن نتحلى بها، كما أن الاعتدال مع البيئة هو من شأن إصلاح العالم أجمع للقضاء على فيروس كوفيد 19.

اقرأ أيضًا : عامل علاء الدين وعلاقته بمقدار الثقة بالنفس (مترجم)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Lama Adli

خريجة قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق