ثقافة وفنون

الصعاليك في الأدب العربي

انتشر في الأدب العربي القديم طائفة تسمى بالصعاليك.. عُرفت هذه الطائفة بالتمرد على قبائلهم، ويشار إلى مفهوم الصعلكة في المعاجم اللغة بمعنى الفقر، وفي معجم لسان العرب يعرف الصعلوك بأنه الفقير الذي لا مال له.

الصعاليك في تاريخ الأدب العربي

والصعاليك في تاريخ الأدب العربي هم طائفة من المتمردين العرب خرجوا عن حكم رؤساء قبائلهم. وقد عرفت جماعة الصعاليك بمجموعة أناس عاشوا قبل الإسلام في الجزيرة العربية، فهم خوارج كل قبيلة تجمعوا في صحراء الجزيرة العربية رافضين سلطة القبيلة فكانوا لا يعترفون بسلطتها، ومعظم هؤلاء كانوا من الشعراء المجيدين لفن الشعر فكتبوا قصائد كانت هي عيون الشعر العربي. نستطيع اختصار وصف الصعاليك بأزمة المثقف في الوقت الحالي واختياره العزلة عن المجتمع لضياع الثقافة فيه، فهي محاولة تمرد على الفكر قبل أن تكون تمرد على أشخاص.

الصعلكة ردة فعل على الجاهلية

وقد ظهرت الصعلكة كردة فعل على ممارسات الحياة الجاهلية وما صاحبها من عادات قيدت الحرية و أدت إلى زيادة الفقر والقحط، ويوضح الدكتور شوقي ضيف في كتابه العصر الجاهلي بأن الصعالكة امتهنوا الإغارة على القبائل بغرض الأخذ من الأغنياء وإعطاء الفقراء والمنبوذين فهم لا يعترفوا بالاتفاقيات ولا المعاهدات بين قبائلهم والقبائل الأخرى ما أدى إلى طردهم من قبائلهم، فكانت حياتهم ثورية تحارب الفقر والاضطهاد من خلال التمرد والهجمات والغارات على القبائل.

ثورتهم كانت على الأشحاء والأغنياء فكانت غاراتهم في المناطق الخصبة من خلال رصدهم للقوافل التجارية وقوافل الحجاج الذاهبة إلى مكة؛ وعلى الرغم من هذا فإنهم تميزوا بالكرم وتغنوا به في أشعارهم..
وإني لأثوي الجوع حتى يملني     فيذهب لم يدنس ثيابي ولاجرمي

وأغتبق الماء القراح فأنتهي          إذا الزاد أمسى للمز لج ذا طعم

فهدفهم كان إطعام الفقراء وتوزيع الغنائم على الأقارب والمحتاجين، فلم يكن السلب والنهب هو غايتهم بل هو وسيلة لإطعام الفقراء من أموال الأغنياء كتأكيد على حق الفقير في مال الغني، كما أنهم لم يتعرضوا في غارتهم للأسياد الشرفاء ولا للنساء فهي كانت على الأغنياء الأشحاء فقط.
وعرف عنهم اعتزازهم بأنفسهم وقناعتهم بسمو فعلهم وهو ما عبر عنه الشنفري في شعره :
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى   وفيها لمن خاف القلى متعزل

فشعرهم تميز بالحماسة والحس على الشجاعة وتحدي المجتمع ويرجع هذا إلى نزعتهم التمردية على نمطية الحياة القبلية، فتخلوا في قصائدهم عن مقدمات الشعر المعروفة لدى القبائل؛ فشعرهم لم يبدأ بمقدمة البكاء على الأطلال وكان معروفًا في الشعر الجاهلي أن جميع القصائد تبدأ بذكر الأطلال والبكاء عليها، فكسر الصعاليك هذا التابوه وكانوا من أوائل الثوار على القصيدة الجاهلية، كما أن شعرهم لم يتطرق إلى موضوعات المدح وتميز بكثرة الحكمة وسعة الخيال وحضور مكثف للعاطفة في معظم قصائدهم.

ومن أشهر شعراء الصعاليك هو تأبط شرًا واسمه في الحقيقة هو ثابت بن جابر بن سفيان، وسمي بهذا الاسم لأنه رأى كبشًا في الصحراء فاحتمله تحت إبطه فجعل يبول عليه طول طريقه فلما قرب من الحي ثقل عليه الكبش حتى لم يقله، فسأله قومه ما كنت متأبطًا يا ثابت؟ فقال الغول ( والغول من خرافات العرب دائم الذكر في أشعار العرب ولا جود له على أرض الواقع) فقالوا تأبطت شرا ومن هنا أطلق عليه تأبط شرًا.
وتميز شعره بصدق التصوير وألفاظ مكسوة بمكنونات النفس تتراءى فيها العادات، تعبر عنها خشونة المعاني والمباني، فأوزانه كانت مستقيمة وقوافيه شديدة تتصاعد منها موسيقى البيئة الصحراوية، فشعره كان بمثابة اعتراف أدبي يقص من خلاله ملاحمه وطبيعة بيئته المحفوفة بالمخاطر والأشواك..

إذا المرء لم يَحتَل وقَد جًده      أضاع وقاسي أمره وهو مدبر

ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلًا   به الخطب إلا وهو للقصد مبصر

فذاك قريع الدهر ما عاش حُوَّل     إذا سد منه منخر جاش منخرُ

طوائف الصعاليك

وقسمت الطوائف في الأدب العربي إلى ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى وهم أغربة العرب وهم أبناء السود والحبشيات، فالعرب كانوا يأنفون أبناءهم من الإماء والحبشيات فلا ينسبوا إليهم ولا إلى قبائلهم، فكان نتيجة لهذا خروج هؤلاء خارج القبيلة وتمردهم عليها وعلى ذويهم ومن أشهرهم تأبط شرًا، والشنفري، والسُّليك بن السلة..

الطائفة الثانية وهم طائفة الخلعاء وتكونت من الخارجين على أعراف القبيلة والمتمردين على أوضاعهم داخلها، كانت قبائلهم قد تخلت عنهم بعد ارتكابهم للحماقات والجرائم فخلعتهم القبيلة ومنهم حاجز الأزدي وأبي الطمحان القيني..

الطائفة الثالثة وهم طائفة المحترفون وهي من احترفت الصعلكة وجعلتها حرفتها فحولتها إلى الفروسية من خلال الأعمال الإيجابية التي يقومون بها، وهذه الطائفة كانت تضم أفرادًا وقبائل على نحو قبيلة فهم وهذيل وعروة بن العبسي.

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية
زر الذهاب إلى الأعلى