سياسة وتاريخ

الصراع بين الصحافة وأجهزة الاستخبارات.. إلى متى؟

ما هي الأشياء التي يتصارع عليها كلاً من أجهزة الاستخبارات والصحافة؟ الإجابة بكل بساطة هي: المعلومة.

ولماذا يتصارعان؟ لأن هذا هو مجال عمل كلاً منهما، فالمعلومة هي القاسم المشترك بينهما في مجال عملهما، فظابط الاستخبارات مجال عمله جمع المعلومات وتقديمها في سرية إلى رؤسائه.

أما الصحفي فهو أيضاً يعمل من أجل الحصول على المعلومات، ولكن ليس لتقديمها للرؤساء في سرية للحفاظ عليها لوقت الحاجة، بل لنشرها على الملأ، فما المشكلة إذاً؟

المشكلة عزيزي القارئ أنه في بادئ الأمر كان من يستطيع الحصول على المعلومة من الصحفيين فكان يعتبر مالكاً لها ويتصرف بها كيفما يشاء، ولكن بعد انتشار وتوغل أجهزة الاستخبارات في المجتمعات المختلفة على مختلف المستويات والأصعدة والأيديولوجيات المتباينة للدول، أصبحت هذه الأجهزة تعتقد أنها هي سيدة قرار منع أو نشر المعلومات، وذلك ببساطة عن طريق السيطرة على الصحف خاصة ووسائل الإعلام عامة.

وتتعدد وسائل السيطرة الاستخباراتية على الصحف، مثل شراء هذه الصحف أو التحكم في تعيين رؤساء التحرير الذين يتحكمون بدورهم في ما ينشر أو لا ينشر؛ إرضاءاً لسيف السلطة الاستخباراتية الموجهة إلى أعناقهم عن طريق إقالتهم في أي لحظة من مواقعهم، مرورًا بالتحكم في من يعملون في مجال الصحافة في بلدانهم.

وفي مصر، في أعقاب ثورة 25 يناير المجيدة شهدت الصحف على كافة أنواعها؛ القومية والحزبية والمستقلة طفرة هائلة في الحريات الصحفية، والتي أعتقد أن الصحافة المصرية بوجه عام لم تشهد مثل هذه الطفرة في تاريخها منذ نشأتها، حيث قلت سطوة أجهزة الدولة السيادية والأمنية من على رقاب الصحف، حتى باتت الصحف القومية أكثر حرية في الرأي أكثر من غيرها، بما تمتلكه من مقومات لا تتوافر في الصحف الأخرى.

ويمكن الرجوع من قبل الجهات المختصة إلى نسب توزيع الصحف عامة والصحف القومية خاصة ليتأكد الجميع من صحة كلامي.

المهم هنا طبعاً أن ترجع “ريما” لعادتها القديمة، فالبعض لم يتعود على الحرية، فطالما كان عبداً ذليلاً طوال حياته، كما أن الجهات السيادية اعتادت على السيطرة على الصحافة والتحكم فيما ينشر وما لا ينشر، فكانت المناداة من أحد رجال النظام الساداتي وهو دكتور علي السمان، الذي عمل بالصحافة في بداية حياته العمليَّة حتى عينه الرئيس المصري مُحمَّد أنور السادات مُستشارًا للإعلام الخارجي بين عامي 1972 و1974.

حيث طالب السمان في أحد البرامج الفضائية إلى العودة إلى إعلام أكتوبر، وإذا افترضنا حسن النية في كلام د. السمان، فسنقول إنه يدعو إلى التنسيق والتعاون فيما بين وسائل الإعلام والدولة مثلما كان يحدث أيام حرب أكتوبر، مثل طلب الرئيس السادات من الأستاذ هيكل نشر أخبار ظباط الجيش الذين سيذهبون إلى العمرة وذلك قبيل حرب أكتوبر المجيدة 1973 ضمن خطة الخداع الإستراتيجى لحرب أكتوبر.

ولكن من حينها والصحافة المصرية في “النازل” في المستوى والمحتوى، فالبعض أخذ كلام السمان ذريعة لتدخل الدولة ومؤسساتها وعلى رأسها المؤسسات السيادية والأمنية والمخابراتية بشقيها العامة والحربية في الشأن الصحفي، فكان ما كان مما وصلت إليه الصحف المصرية على مختلف أنواعها من قومية إلى مستقلة إلى حزبية، فكلهم بلا مستوى مهني أو محتوى يشد القارئ ويجذبه لشراء الصحيفة، والدليل نسب التوزيع، وأتحدى أن تعلن أن جريدة نسب توزيعها الفعلي.

فكلنا جميعاً كقراء ودون أن يعلنوا عن هذه النسب نعرف الحقيقة لأننا لم نعد نشتري الصحف، والحديث عن أن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعى هي السبب كلام فارغ؛ لأن الصحف الورقية بالدول المتقدمة ما زالت تصدر وتشهد إقبالًا من القراء وذلك لسبب بسيط، أنه يتواجد في هذه الدول شيء جميل اسمه الحرية؛ والتي تشمل حرية الرأي دون قيد أو شرط سوى القانون، كما أنهم يعرفون مبدأ الفصل بين السلطات، فلا اعتداء من سلطة ما مهما كانت حجمها ومركزها على سلطة أخرى، حتى وإن كان أقل منها في حجم السلطة، فالسلطات جميعها تحترم بعضها البعض.

وذلك مع العلم أن هذه الدول أكثر تقدماً في المجال التكنولوجي، بما يعني أنه بالأولى أن التكنولوجيا لو كانت هي السبب في انهيار الصحافة الورقية، لكانت انهارت لديهم الصحف أكثر مما تنهار لدينا في دولنا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى