سياسة وتاريخ

الصراع التركي الروسي في ليبيا.. هل تكون سرت مقبرة أردوغان؟

وسط صخب الأنباء الواردة من ليبيا، ينصب الاعتماد على دولتين يرى كثير من المحللين السياسيين أنهما الأهم على الساحة الليبية المضطربة؛ ألا وهما تركيا الأردوغانية وروسيا البوتينية، فالأولى تتحدث اليوم بلسان حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، برئاسة فايز السراج، فيما تعارض الثانية أية محاولات لإخراج الجنرال خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، صاغراً من مدينة سرت الاستراتيجية وقاعدة الجفرة التابعة لها.

فبينما تشتعل حرب التصريحات بين القاهرة الحانقة على الوجود التركي على حدودها الغربية وأنقرة الرافضة لبقاء حفتر في المعادلة السياسية الليبية، اعتبر كثيرون أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يتحدث بلسان نظيره الروسي فلادمير بوتين، ودلالات ذلك لا تخفى على العالمين بتعقيدات المسألة الليبية.

بالنظر لمكان انعقاد مؤتمر السيسي التصعيدي، نجد أنه عقد في قاعدة سيدي براني العسكرية، ولمن يتابع تطورات الثورة المضادة في بلاد عمر المختار بتذكر أن مصر عقدت اتفاقاً مع روسيا في الثاني عشر من أكتوبر 2016، حصلت بموجبه الحكومة الروسية على قاعدة سيدي وهي القاعدة التي كانت تتبع الاتحاد السوفيتي فبيل طرد الرئيس المصري الراحل أنور السادات للخبراء السوفييت في نوفمبر 1972 تمهيداً للدوران في الفلك الأمريكي.

في ذلك التوقيت، كان حفتر يستجدي الدعم الروسي لقواته ليتمكن من القضاء على الثورة الليبية وإعادة إنتاج نظام القذافي بشكل أسوأ من ذي قبل، ولم يخيب بوتين رجاء رجل القذاقي وشحن مرتزقة شركة فاجنر المقربة من الكرملين للقتال بجوار مرتزقة الجنجويد السودانيين وتشاد، ومع تقدم قوات حفتر غدت مدينة سرت معقل المقاتلين الروس في ليبيا.

شكلت مدينة سرت نجاحاً آخر لروسيا في شرق المتوسط؛ بعدما قلبت المعادلة في سوريا بشكل جعل المصالح التركية رهينة التقلبات المزاجية لسيد الكرملين، فكانت اتفاقية ترسيم الحدود التركية الليبية في نوفمبر 2019، الذي فتح الباب أمام استعانة حكومة الوفاق بخدمات تركيا العسكرية لوضع حد لخطر حفتر.

أمدت حكومة تركيا الحكومة الشرعية الليبية بخبراء عسكريين وطائرات مسيرة للمساعدة في إدارة المعارك المحتدمة على أبواب طرابلس مع مخلب قط الثورة المضادة، وهو ما جعل قوات حفتر تندحر من العاصمة الليبية ومحيطها للتموضع في قاعدة الوطية، وهنا كانت الضربة الأكثر إيلاماً من الأتراك للروس.

دمرت الطائرات التركية المسيرة منظومة بانتسير الجوية الروسية وسهلت لحكومة الوفاق الاستيلاء على قاعدة الوطية الجوية ومن ثم الزجف على ترهونة وبني وليد، وكان الأمر الأشد إهانة لكبرياء بوتين هو مطاردة المرتزقة الروس وقتل عدد منهم، ما جعل روسيا أكثر تصلباً في منع سقوط مدينة سرت تأديباً لتركيا التي أذلت ناصيتها.

لكن التسريبات القادمة من كواليس العلاقات بين القيصر والسلطان تشي بصفقة قذرة تطبخ على جماجم ودماء السوريين تحفط بها تركيا مصالحها مع روسيا وتجهز في الوقت نفسه على الثورة السورية التي باتت معوقاً لسيطرة أنقرة على المناطق الحدودية مع سوريا بما يخدم مصالح تركيا الضيقة المتعارضة مع الثورة.

تنص صفقة العار على إطلاق عملية مشتركة بين روسيا وتركيا بدعوى تحرير الشمال السوري مما يطلق عليه “الفصائل الإرهابية”، لكنها ستكون في واقع الأمر للتخلص من الفصائل الثورية السورية المعارضة للدور التركي الهدام في سوريا منذ 2016 مع ضم عناصر الجيش الحر للفيلق الخامس بالجيش التركي، في مقابل أمرين:

  • الأول: إطلاق يد تركيا في ليبيا مقابل التنازل عن سوريا لروسيا.
  • الثاني: الاحتفاظ بنقاط المراقبة التركية في سوريا منعاً لتجركات الفصائل الكردية الانقصالية التي تهدد وحدة الأراضي التركية.

لكنها سياسة وبأي مقياس سياسي انتهازية غاية في الحماقة من جانب القائمين على الحكم في تركيا، فروسيا لن تترك الكعكة الليبية من نفط وإعادة إعمار وعقود تسلح لتكون لقمة سائغة لتركيا، بالإضاقة إلى أن الروس بعدما يحكمون قبضتهم على سوريا لن يسمحوا لتركيا بلعب دور سياسي يهدد مصالحهم هناك أو يدعوا تركيا وشأنها؛ عقاباً لها على تحديهم في الثورة السورية أو في ليبيا.

وستثبت الأيام المأزق الذي وضع أردوغان نفسه فيه، ولن يجني منها سوى الكراهية الشعبية سواء في تركيا أو خارجها وحتماً سبؤثر على فرص حزبه في البقاء بالسلطة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق