سياسة وتاريخ

الصحافة.. مدللة السلطة

مثلت الصحافة منذ نشأتها بوصفها وسيلة اتصال جماهيري إشكالية ذات حضور دائم للسلطة السياسية وحتى وقتنا الحاضر، وتعاملت السلطة السياسية في مختلف دول العالم مع الصحافة بدرجة كبيرة من الحذر بوصفها الوسيلة الإعلامية القادرة على دعم بقاء هذه السلطة أو المساهمة في انهيارها.

ومن خلال التشريع القانوني والممارسة اليومية ترسخت على مدى القرون الماضية الأفكار النظرية والبحوث الإمبيريقية التي حاولت وصف وتحليل وتفسير العلاقة المتبادلة بين الصحافة وبين السلطة السياسية، والعوامل المؤثرة فيها ومدى خصوصية هذه العلاقة في الأنظمة السياسية المختلفة.

وإذا كانت أنماط العلاقة بين الصحافة والسلطة السياسية، قد بدأت منذ إختراع الطباعة وظهور الصحف الأولى في العالم، فإن بحث هذه العلاقة في الأنظمة السياسية المختلفة، والخروج منها بدلالات نظرية، ونماذج توضحها وتفسرها، يعود إلى القرن العشرين الذي شهد خلال ربعه الأول تبلور الأنظمة الصحفية، وبالتالي ظهور المدارس البحثية في الصحافة.

فعدم إمكانية عزل قضية العلاقة بين الصحافة والسلطة السياسية عن أطرها العامة التي تندرج تحتها، فهذه القضية لا تدرس في الغالب لذاتها وإنما بوصفها مقدمة ضرورية لدراسة قضايا إعلامية أكبر مثل: دراسة حرية الصحافة وقياسها وإستخلاص أسس النظام الصحفي القائم في دولة ما، وطبيعة الدور المنوط بالصحافة للقيام به في المجتمع، وتفسير مضامين الصحف في قضايا محددة، بالإضافة إلى قضايا سياسية تتصل بالحكم على ديمقراطية النظم السياسية ودور الصحافة في المجتمع المدني والانتخابات والاستقرار السياسي….

وتعتبر حرية الصحافة أحد الملامح البارزة في الديمقراطية إلى جانب الحريات الفردية الأخرى کحرية الكلام والخطابة وحرية التعبير.

وقد انعكس الواقع السياسي والاجتماعي على مفهوم الصحافة وبالتالي على الوظائف التي تقوم بها الصحافة في المجتمعات بحيث تنفرد بأداء وظيفتين هامتين الأولى : تدعيم المشاركة الشعبية في الحكم، أما الوظيفة الثانية فهي  تنظيف المجتمع من الفساد.

حسب الفلسفة الماركسية، بين الواقعية والالتزام فهما الخاصيتان اللتان تمیزان الصحافة والصحفيون من وجهة النظر الماركسية يقومون بنشاطهم باعتبارهم جزء من طبقة اجتماعية أي أنهم يمثلون هذه الطبقة. وعلى ضوء هذا المفهوم الماركسي للصحافة، نجد الصحافة في المجتمعات  تنفرد بأداء الوظائف التالية : الدفاع عن النظام، التوعية الأيديولوجية، كما تعتبر سلاح فعال في الصراع الأيديولوجي.

حرص الباحثون في الصحافة الإفريقية والأسيوية على تتبع أصول العلاقة الغير السّوية بين السلطة والصحافة بعد الاستقلال، وأرجعوها إلى أسباب عديدة، من أبرزها الميراث الاستعماري.

ويبدو هذا السبب أكثر وضوحًا وتكرارًا لدى الباحثين الأفارقة، وعلى سبيل المثال فإن نيامنجو Nyamnjoh يشير إلى أن الرِّقابة التي تعيشها الصحافة الكاميرونية مستوحاة من ماضٍ استعماري فرنسي ثري، ويدلل على ذلك بأن عددًا من قوانين الصحافة في الكاميرون مستمدة من القوانين الاستعمارية المشابهة التي تعود إلى أعوام 1923 و1936 و1939.

و أعادت بحوث أخرى، مثل بحوث هاشتن Hachtin التأكيد على العلاقة غير المستقرة بين الحكومة والصحافة في غالبية الدول الإفريقية، كما هو الحال في دول أمريكا اللاتينية. فالصحافة تتنقل باستمرار بين الحرية وبين السيطرة الحكومية بفعل التغير المستمر في الحكومات من عسكرية إلى مدنية والعكس.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Badkouf Aissam

كاتب ( مقالات - شعر - خواطر - روايات - سيناريوهات ) جزائري طالب جامعي تخصص تاريخ عاشق للكتابة و الإعلام لحد الهُيام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى