سياسة و تاريخ

الشفافية في إدراة المنظمات الدولية غير الحكومية ” العفو الدولية نموذجا” (2)

أصبحت الشفافية والمساءلة من القضايا الهامة التي تحضى بالأولوية في مختلف المحافل الدولية، وهما يعتبران مقوما أساسيا من مقومات الحوكمة، أي أنه بدون مساءلة فلا وجود لشفافية ولا يمكن تحقيقها بدونهما، فهي تعتمد على المعلومات الدقيقة وفق المبادئ القانونية، مع فسح المجال أمام الجميع للاطلاع عليها مما يساعد في اتخاذ القرارات في مجال السياسات العامة، وكذا في ترشيد السياسات الاقتصادية.

الكثير من الجدل أثير حول الشفافية داخل المنظمات الدولية غير الحكومية، إذ يفترض بعض الباحثين والمهتمين بقطاع المنظمات غير الحكومية، أن العلاقة العدائية التي تميز في كثير من الأحيان بين هذه المنظمات بالدول قد تكون دافعا للمنظمات من أجل إخفاء بعض المعلومات، وبالتالي تكون أقل شفافية إزاء بعض القضايا المتعلقة بها، مثل طرق حصولها على المعلومات أو غير ذلك، فهذا الشكل من المنظمات عرف في السنوات الأخيرة أزمة من حيث الشفافية التي طرحت عدة تساؤلات حولها مما قد يضر بمصداقية هذه المنظمات.

وهذا ما سنحاول أن نبينه من خلال تطرقنا في هذا الجزء إلى مصداقية وشفافية المعلومات التي تعتمدها منظمة العفو الدولية، ثم مدى شفافية التقارير التي تعدها المنظمة.

1- المصداقية والشفافية على مستوى المعلومات:

إن الشفافية “تتعلق بوضوح الأنظمة والإجراءات داخل المؤسسة أو المنظمة، وفي العلاقة بينها وبين المواطنين المنتفعين من خدماتها، وعلنية الإجراءات والغايات والأهداف في عمل المؤسسة العامة”، وكذلك ربط الشفافية بوجود سياسة عامة “للإفصاح عن المعلومات، وضمان حق الإنسان في الحصول على المعلومات اللازمة عن أعمال الإدارات العامة، وبناءا على هذا المبدأ يحق للأفراد الحصول على هذه المعلومات إلا في حالة ضرورة إبقائها سرية للمصلحة العامة”.

ولتسهيل الضغط والدفاع الذي تمارسه المنظمات الدولية غير الحكومية، لا بد أن يسمح لها بالوصول إلى عملية اتخاذ القرارات الحكومية والمعلومات الكافية، على اعتبار أن الحق الأساسي لهذه المنظمات هو الدفاع والضغط اللذان لا يقومان إلا على توفر المعلومات الكافية والصحيحة، لذلك فحق الوصول إلى المعلومات لا بد أن يكفل على مستوى القوانين الوطنية والدولية.

أولا : الشفافية من حيث مصداقية المعلومات

تولي المنظمات الدولية غير الحكومية بمختلف أنواعها أهمية قصوى للمعلومات وضمان مصادر موثوقة لها، لأن هذه المعلومات بقدر مصداقيتها ودقتها تكون مصداقية المنظمة غير الحكومية، وتختلف مصادر حصول المعلومات بالنسبة للمنظمة، وذلك بحسب نوع النشاط الذي تمارسه، فبالنسبة للمنظمات الناشطة في مجال الصحة أو حقوق الإنسان، يمكن أن نلخص أهم مصادر الحصول على المعلومات بالنسبة للمنظمات الدولية غير الحكومية والتي تتمثل في:

1- مجلس تنسيق المنظمات الدولية غير الحكومية

2- الوكالات فوق وطنية

3- المعلومات والتشريع الدولي

4- العلاقات العامة ووسائل الإعلام الإخبارية

5- وكالات التمويل

6- الفئات المستهدفة والزبائن

وفي هذا الإطار شهدت العديد من المنظمات الدولية غير الحكومية أزمة شفافية على مستوى إدارة المعلومات، وهذا ما يضعها في قفص الاتهام حول مصداقيتها، خاصة في كيفية التعامل مع المعلومات التي تحصل عليها، إضافة إلى أنها مضطرة إلى حجب المعلومات والحقيقة عن الناس أحيانا من أجل حماية نفسها من رد فعل الحكومات، فهي قد تلجأ إلى ذلك لحماية نفسها وبقاء عملها في تلك الدول، فهي بحكم تكوينها لا تعرف مبدأ السرية لأن قواعد العمل بها تقوم على أساس الشفافية. لذلك تخشى بعض الحكومات من السماح لهذه المنظمات من الوصول إلى المعلومات الحساسة، والتي تعتبرها الدول خطا أحمر بالنسبة للمنظمات غير الحكومية سيما وأنها لا تتمتع بمبدأ السرية.

ثانيا : الشفافية على مستوى حجم المعلومات

إن الشفافية في مجال حقوق الإنسان تتعلق بحجم المعلومات أي حجم الانتهاكات التي تمس حقوق الإنسان، وبفضل ما تملكه منظمة العفو الدولية من إمكانيات لا سيما على مستوى توثيق المعلومات وتسجيلها، ثم حفظها من أن تملك معلومات دقيقة عن حالة حقوق الإنسان في مختلف الدول والأقاليم، عدد وحجم الانتهاكات التي تمس مختلف الفئات، وما زاد في حجم ونوع المعلومات التي تحوز عليها منظمة العفو الدولية، هو عدد الفروع والهياكل التابعة لها والمنتشرة في معظم الدول، وبذلك أصبحت مصدرا للمعلومات الخاصة بحقوق الإنسان.

فالشفافية على مستوى إدارة المعلومات تعني أن تكشف منظمة العفو الدولية عن المعلومات التي لديها، وعن مصادر تلك المعلومات بشكل دقيق ودوري سواء للحكومات أو للمنظمات والمؤسسات الدولية، لكن بسبب طبيعة النشاط في مجال حقوق الإنسان، قد لا تكون منظمة العفو الدولية قادرة بشكل دائم على أن تكشف مصادرها وإتصالاتها، ومع ذلك فهي مطالبة بأن تكون شفافة وهذا هو جوهر أزمة الشفافية التي تعاني منها المنظمة في هذا السياق، فمنظمة العفو الدولية تعتبر أن هناك معلومات ليست للنشر وبالتالي لا تتضمنها معايير الشفافية التي تطال جوانب أخرى من عمل المنظمة.

وهذا ما يجعلنا ندرك بأن المنظمة الدولية غير الحكومية عندما تكون مدعومة شعبيا ورسميا، هذا الأمر يعد حافزا لها بشكل عملي وتعتبره الأصل القومي لشرعيتها ومصداقيتها.

2- معايير الشفافية على مستوى إدارة التقارير الدولية للمنظمة:

سنتناول خلال هذه الفقرة إلى مدى تمثلات الشفافية في تقارير منظمة العفو الدولية  من حيث عملية إعدادها، وكذا بإعتبارها هذه التقارير أداة من أدوات منظمة العفو الدولية.

أولا : التقارير أداة من أدوات المنظمة

تعد التقارير أداة من الأدوات الفعالة التي تستخدمها المنظمات الدولية غير الحكومية من أجل فضح انتهاكات وتجاوزات الحكومات في مجال حقوق الإنسان، وفاعلية تقارير المنظمات تعتمد بالدرجة الأولى على قدرة هذه الأخيرة على توثيق المعلومات التي تستعملها لتبني موقفها تجاه قضية ما، وأيضا ما يملكه القائمون على هذه التقارير من رؤية في ما يتعلق بحقوق الإنسان وقدرتهم على تدعيم مواقفهم بمواقف جهات قضائية دولية وإقليمية معتمدة، وتشكل التقارير من بين الوسائل التي تعتمدها منظمة العفو الدولية في أداء عملها، إذ لا يمكن أن يكتمل عمل أي منظمة غير حكومية دون إصدار التقارير والتي تتوافق مع القضايا التي تنشط من أجلها، ويكون إصدار هذه التقارير بشكل دوري.

وتوجه الانتقادات للمنظمات الدولية غير الحكومية، لأن هناك بعض التقارير الرسمية تشير إلى أن بعض المنظمات بالرغم من وجود جو الإستقلالية والحياد، إلا أنها تعمد إلى تقديم تقارير حسب الطلب تخدم سياسة معينة، وهذا قد يؤدي إلى أزمة الشفافية، والتقارير التي تصدرها منظمة العفو الدولية تشكل قوة ضغط قوية على الحكومات، لذلك يصحب في كثير من الأحيان هذه التقارير ضجة إعلامية قبل و أثاء إصدار التقرير، ويتعرض للانتقادات من الجهات الرسمية التي ترفض التقرير، وقد تلقي اتهامات على المنظمة بأنها متحيزة أو بالتسييس أو التشكيك في مدى مصداقيتها ودقة المعلومات التي إستندت عليها.

ثانيا: الشفافية على مستوى إعداد التقارير

إن عملية إعداد تقارير المنظمة لا تتم فقط عبر المعلومات التي يجمعها أعضاء المنظمة في مختلف الفروع المنتشرة حول العالم، وإنما يشارك في صياغتها خبراء مختصون في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي، والأمر يتعلق بالمنظمات الحقوقية التي تحتاج إلى الخبرة في مجال الفحوصات الطبية والاتفاقيات الدولية، والأفراد المشكلين لهذه المنظمات لا يمكن أن يعملوا بمعزل عن الدعم الذي يقدمه الخبراء في هذا المجال والتي تبقى استشارية، بمعنى أن هذه المنظمات لا تلتزم بشيء.

وبالنسبة للمساهمات التي تقدمها هذه الجماعات لا يتعدى المساهمات التقنية أو الأكاديمية فقط، وأمثال هؤلاء الخبراء لا يمكن أن نجد أسماءهم على هذه التقارير أو البيانات التي تصدرها المنظمات الدولية غير الحكومية، مع ذلك فخبرتهم مطلوبة جدا حتى تكون التقارير الصادرة على درجة عالية من الاحترافية.

منظمة العفو الدولية تعتبر من بين المنظمات الدولية غير الحكومية التي لها مكانة متميزة على مستوى منظومة الأمم المتحدة، نظرا لما تتميز به وذلك قصد  السمو بالكرامة الإنسانية التي تتماشى مع المعايير الدولية للحماية.

ومن أهم أساليب التي تعتمدها مثل هذه المنظمات نشر تقارير سنوية حول حالة حقوق الإنسان بالعالم أو موضوعية، وأهم ما ترصده من خلال زياراتها لهذه الدول، وكذا الانتهاكات التي تمارسها السلطات في عدد من الحقوق والحريات الأساسية المتأصلة في الإنسان مند وجوده، والتي ينبغي أن يمارسها الشخص بشكل طبيعي، وليس تقييدها من قبل السلطات أو إلغائها، تقوم المنظمة بزيارات لهذه الدول لمراقبة وضعية حقوق الإنسان في جل أنحاء العالم,

  • المراجع المعتمدة: 

– بوجرة ياسين :”واقع متطلبات الحكم الرشيد في الوطن العربي”، الحكم الرشيد واستراتجيات التغيير في العالم النامي، المحرر: حسين رأس الجبل ، مكتبة إقرأ – الجزائر 2007 .

– أسماء مرايسي :”إدارة المنظمات الدولية غير الحكومية لقضايا حقوق الإنسان ـ دراسة حالة منظمة العفو الدولية”، مذكرة مكملة لنيل شهادة الماستر في العلوم السياسية – تخصص : الإدارة الدولية –  تحت إشراف دكتور دلال بحري –جامعة الحاج لخضر – باتنة – كلية الحقوق والعلوم السياسية – قسم العلوم السياسية، السنة الجامعية 2011/2012 .

– سامح فوزي:” الحوكمة”، المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، العدد 10 السنة 1، أكتوبر 2005  .

 

 

 

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

منى دلوح

منى دلوح طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة عبد المالك السعد -طنجة ، حاصلة على دبلوم الماستر في حقوق الانسان، موازاة مع مساري الدراسي فأنا ناشطة في العديد من الجمعيات منها مركز ليكسوس للدراسات القانونية والسوسيولوجيا، متطوعة بشبكة حقوق الانسان بمعهد بروميثيوس للديقراطية وحقوق الانسان، رائدة بالفضاء المدني... كذلك مشاركة في برامج تدريبية وتكوينية سواء على المستوى الوطني وكذا الدولي من بينها أكاديمية المجتمع المدني، منتدى شباب العالم في مصر، سفراء نوابك...
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق