أسلوب حياة

الشغل تحرير أم تقييد؟

الإنسان كائن عاقل قادر على تحويل الطبيعة والتأثير عليها وإدخال التغيرات عديدة عليها بفعل عمله، لكن هذا العمل يطرح أحيانا مشاكل لدى نفسية العامل وقدرته الذهنية وهذا ما يقودنا إلى طرح الإشكال الآتي: هل الشغل يحرر الطاقات الإنسانية؟ ما الذي يجعله كذلك؟ أم أن الشغل مسيطر ومتحكم في قدرات الإنسان الذهنية والنفسية وغيرها؟

الشغل خاصية إنسانية بامتياز أي أن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على تحويل الطبيعة والتأثير عليها والسيطرة عليها وتسخيرها لمصلحته الا ان النظام الآلي اصبح يطرح انعكاسات سلبيات على العامل ماديا ومعنويا. فالشغل هو فعل يتم بين الانسان والطبيعة والذي بموجبه يحصل الانسان على تطوير وتحويل الطبيعة الخارجية والداخلية للإنسان وهذا الاخير يعتبر بدوره كائنا وعيا وقادرا على الفعل والابداع وهو الكائن الوحيد القادر على التفكير والتخطيط والابداع.

أما بالنسبة لنظام الآلة فهو نظام عمل جديد ظهر في القرن التاسع عشر حيث يهدف إلى تقسيم الشغل وجعل لكل عنصر دورا محددا وذلك من اجل تسريع عمليه الانتاج والرفع من الكمية وتقليص مدة العمل حيث غن الآلة أصبحت تعوض العامل في كثير من المهام والقدرات والمهارات كما انها تتمتع بالعديد من الخصائص والمميزات الغير موجودة لدى العامل.

وفضلا عن ذلك يمكن القول بان الشغل بالاساس مظهر من مظاهر فاعلية الانسان وابداعه ايضا اللذي يرتكز بالاساس على التفكير والتخطيط والابداع وعلاوة على ذلك فان تقسيم الشغل قد يؤدي إلى اثار سلبية على العامل حيث لم يعد يتحكم في عمله عن طريق التفكير والتخطيط، بل حدث انشطار من العمل والتفكير لدى العامل فاصبح يقوم بعمل آلي خال من كل حافز او تفكير عقلي حر.

ومن جانب اخر هناك من يعتبر بان تقسيم الشغل يولد مشاعر الانتماء الى الجماعة ويحيي روح التعاون والتآزر والتأثر ويقوي تماسك المجتمع ويزيد من حدة التنافسية بين أفراده المشغلين كما يقوي الروابط الاجتماعية والقيم الاخلاقية من خلال العمل الجماعي فالفرد لا يستطيع ان يكتفي بذاته فهو في حاجة الى المجتمع من أجل تحقيق ما هو ضروري بالنسبة إليه، كما أن المفكر البلجيكي جيلبر هوتو يؤكد على أن الشغل هو الذي يعطي للوجود الإنساني قيمة حيث إنه يؤسس القيم الاجتماعية للانسان ويلعب دور رابطه اجتماعية بين مختلف الافراد فهو شرط البقاء والسعادة والحرية.

وفي مقابله يؤكد الفيلسوف الانجليزي كارل ماركس على ان الشغل يحرر الطاقات البدنية والذهنية للعامل وبهذا المعنى يرى ان الشغل خاصية بشرية بامتياز لارتباطه بالملكات الفكرية والذهنية. إذا هل الشغل يحتفظ بهذه الميزة في مختلف انواعه؟

لا يحتفظ الشغل بخاصية تحرير الملكات البدنية والذهنية للعامل دائما وانما كثيرا ما يستنزف تلك الطاقات ويعرقل تطور عقله ورغباته خاصة عندما يكون الشغل شاقا ويمتد لساعات طويلة في اليوم ونجد هذا التصور حاضرا بقوه لدى الفيلسوف جورج فريدمان وفريدريك نيتشيه حيث انتقد جورج فريدمان الوضعيه التي يعيشها العامل في ظل نظام الآلة وتقسيم الشغل كما انتقد النظام الذي ادى الى تبليد العامل وتشييئه واحداث انشطارا بين ارادته وتفكيره من جهه وما يقوم به من عمل من جهه اخرى اضافه الى ذلك يؤكد تصور الفيلسوف فريدريك نتشيه على ان الشغل اصبح مع نظام الاليه اكثر تجزيئا وتخصصا واصبحت الاله تعوض عمل الانسان في كثير من المجالات والتخصصات.

إن قضيه تقسيم الشغل قد افرزت تصورات ومواقف متعارضه الشيء الذي يدل على الطابع الاشكالي الذي يتسم به هذا الموضوع، فمن جهه هناك من يعتبر ان تقسيم الشغل يقوي الروابط الاجتماعيه ويولد روح الانتماء ويقوي المبادئ الاخلاقية ومن منظور اخر هناك من يرى ان تقسيم الشغل ما هو الا طمس لإرادة الانسان وتفكيره وابداعاته الشيء الذي يتنافى مع طبيعة الإنسان ويؤدي الى تشييئه و تجريده من حرياته ملكاته العقلية والذهنية. بالرغم من تأثيراته السلبية على الانسان من الناحية الجسدية و النفسية إلا أن تقسيم الشغل أصبح في عصرنا الراهن الوسيلة الامثل لتوفير حاجيات الانسان و تلبية رغباته و متطلباته التي تتزايد مع ارتفاع النمو الديموغرافي في العالم فمادامت الغاية هي ضمان استمرارية الوجود البشري فإن الوسيلة الأمثل لتحقيق ذلك هي توفير استفادة الجميع من الشغل.

زر الذهاب إلى الأعلى