سياسة وتاريخ

الشعوب لا تخدع

بعد شد وجذب وطول انتظار لحاكم العراق الجديد، اعتذر رئيس الوزراء المكلف محمد علاوي عن تشكيل الحكومة خلال رسالة أرسلها إلى رئيس الجمهورية برهم صالح، الذي طلب من مجلس النواب العراقي البدء في مشاورات جديدة لاختيار خليفة لعادل عبد المهدي، الذي اضطر تحت وطأة غضب الشارع العراقي الثائر لترك الحكم.

يعتبر اعتذار علاوي عن ترؤس الحكومة الجديدة انتصاراً مزدوجاً للثورة العراقية التي تقترب من إتمام شهرها الخامس بعد ثلاثة أسابيع من اليوم، فمن ناحية أجبرت واحداً من أفراد الطبقة السياسية المتحجرة والفاسدة التي حكمت العراق منذ الاحتلال على القفز من المركب الغارقة نجاة بنفسه، ومن ناحية أخرى أرسلت رسالة للحاكم الحقيقي في طهران أن ألاعيبه لم تعد تنطلي على أحد.

لم يخرج آلاف العراقيون إلى ساحة التحرير في بغداد مقدمين مئات الشهداء لتغيير الوجوه، لكن لتغيير أساس الحكم القائم على المحاصصة الطائفية والفساد والتبعية لإيران، وذلك بعد أن يتنحى متصدرو المشهد الحالي عنه تاركين للشعب عبر انتخابات نزيهة تحديد حكامه، لا الدوران في دوائر مفرغة من أجل تهدئة الشارع ثم تعود الأمر أسوأ مما كانت عليه.

بقي الدستور العراقي كما هو يحكم بلاد الرافدين على النسق اللبناني، يتحكم الشيعة في البلاد عبر رئيس الوزراء بزعم أنهم يشكلون غالبية الشعب، وهو ما يجافي الواقع، فسنة العراق مع الأكراد هم الغالبية، وبعيداً عن هذا المنطق البغيض منذ متى حكمت الطائفية مركز الخلافة العباسية؟ أليس منذ قدوم رعاة البقر محتلين؟

أما عن الفساد فحدث ولا حرج، فقد نهب الساسة العراقيون مليارات الدولارات التي توازي تريليونات الدنانير العراقية، تاركين شعب العراق الكريم يأن بحثاً عن عمل باحثاً عن لقمة يسد بها جوعه في مكبات النفايات، أو فاراً عبر قوارب الهجرة غير الشرعية أو حتى النظامية؛ بحثاً عن حياة أفضل بعيداً عن بلاده التي استحالت جحيماً تحت حكم الأشاوس من دمى الاحتلال.

فيما يظل التسلط والتحكم الإيراني بمقدرات العراق ومصيره الباعث الأول على استمرار الثورة في العراق من أربيل إلى البصرة، فمن يصورون على أنهم حكام البلاد والقائمون على رعاية مصالحها واستقلال قرارها، ما هم إلا بيادق يحركها المرشد الإيراني ومبعوثوه من الحرس الثوري أو وزارة الخارجية.

ومن شروط تولي هذا المسئول أو ذاك الوزارة أو أي منصب مرموق في عراق ما بعد صدام، هو منع إنشاء أية مصانع في العراق، والاعتماد على ما يستورد من إيران، والذي ثبت غير مرة أنه فاسد لا يصلح لاستهلاك البشر، بالإضافة للتعامي عن إغراق العراق بالمخدرات لتدمير شبابه وضمان استمرار دورانه في الفلك الإيراني، ومنح الشركات الإيرانية تكرير النفط العراقي ثم إعادة بيعه لملاكه الأصليين بأغلى الأثمان؛ ليستغل نظام الملالي هذه الأموال الطائلة في نشر الفوضى في المنطقة العربية، إيذاناً بإحياء إمبراطورية الفرس الآفلة.

على كل الحالمين من منتفعي ما بعد 2003 الطامعين في عودة الجماهير إلى بيوتها لمجرد إجراء تغييرات شكلية أو اتخاذ إجراءات مؤقتة أن يفيقوا من هذا الهذيان؛ فالعراقيون ماضون حتى إكمال ثورتهم، وما عاد يجدي معهم الخداع والكذب وسيعودون من حيث أتوا في حالة واحدة، عندما يخرج آخر فارسي دنس بلادهم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى