سياسة وتاريخ

الشعوب العربية: بين مطرقة الديمقراطية و سندان الخراب

لكل مواطن الحق في التعبير و الكلمة الحرة رغم بعض الممارسات القمعية التي لم تنقطع الى يومنا هذا، هكذا هو الحال في تونس اليوم، فبعد عقود انعدمت فيها حرية الرأي زمن حكم بورڤيبة و بن علي هبت رياح التغيير في جانفي 2011، لتطلق العنان لمرحلة جديدة في تاريخ تونس، مرحلة كانت أبرز عناوينها الديمقراطية و حرية التعبير و الكلمة الحرة.
لو عندنا بالزمن قليلا فقد يكون مصطلح الحرية غريبا في مجتمعاتنا العربية، فلا مكان للديمقراطية هنا، فالولاء و الطاعة و تقديس الحكام هم أبرز مبادئ هذه المجتمعات، مجتمعات تُعطى المناصب فيها بالوراثة و الولاء، او الانقلاب لمن استطاع إليه سبيلا، فلا يحق للشعوب أن تختار حكامها، هي فقط مُطالبة بالعمل و العيش في سلام في مقابل ان تضمن لها الحكومات لقمة عيش تشبع بطونها، و حتى من حاولوا التمرد على هذه القيم العربية انتهى بهم الامر بين السجون و المقابر.

هذه الأنظمة الديكتاتورية العربية استطاعت إقناع الشعوب بالعيش بعيدا عن الحياة السياسية او التدخل في شؤون الدولة، اختلفت طرق الاقناع بين البروباجندا الإعلامية و السيطرة على عقول الناس بتسويق الأوهام و الأكاذيب، او عبر طرق قمعية لترهيب الناس و تخويفهم من مغبة حشر انوفهم في طريقة تسيير الدول، طريقة انتهجتها جل الأنظمة العربية تقريبا، تفتح التلفاز فلا تشاهد شيئا سوى بطولات الحكام العرب و كفاحهم من أجل أوطانهم، أهم إنجازاتهم و المشروعات العظمى التي أنجزت منذ توليهم السلطة، و ما أحدثوه من تغييرات في البلد، و لعل الأمر الأكثر غرابة في تونس مثلا أنك ترى النظام يسوق لصورته عبر الحديث عن الديمقراطية و الحرية مثلما كان الحال في تونس زمن حكم الرئيس زين العابدين بن علي في كل استحقاق انتخابي، فتبث نشرات على مدار الساعة للحديث عن العرس الانتخابي و انتخاب التونسيين لرئيسهم بكل حرية و شفافية، لتنتهي الانتخابات بفوز بن علي كالعادة بنسبة 99% في انتخابات سوق لها على أنها مثال يحتذى به في النزاهة و هي في الحقيقة مجرد مسرحية سيئة الإخراج تنتهي دوما بفوز بن علي و حزبه.

من المتناقضات ان هذه الأنظمة تتباهى بالديمقراطية في اعتراف ضمني منها بأهميتها و تكريس مبدأ سيادة الشعوب في صناعة مجد الأمم و ازدهارها، و لكنها في الكواليس تمارس أبشع أنواع التعذيب في حق كل من يتجرأ على النطق بكلمة “حرية” أو ينادي بتحرير الشعب من القيود التي يفرضها الحاكم.

كثير من القادة العرب اعتقدوا بأنهم سيكونون رؤساء مدى الحياة، فلا شيء يوحي بتنحيهم عن العرش، فالرياح تجري بما تشتهي سفنهم، شعوب عربية في سبات عميق، و دول عظمى تبارك سلطانهم، و تضخ ألأموال للأستثمارات و التعاون، و الأمور على ما يرام، حتى الرعية لا يشتكون شيئا حتى لو ماتوا جوعا او بردا، فهم يقبلون أيادي الملوك و السلاطين و لا يتمنون شيئا سوى أن يطيل الله أعمار أولياء أمرهم و يحفظهم من كل شر، و الحاشية تطبل صباحا مساءا و تلعق أحذية الحكام طمعا في مزيد من الغنائم و العيش في رفاهة بين أحضان أسيادهم ، هكذا كان الحال في بلد العرب.

ولكن الأقدار شاءت أن تنقلب الأمور رأسا على عقب حين صفعت شرطية شابا يعمل بائعا متجولا في أحد أسواق مدينة سيدي بوزيد بتونس، فيشعل جسده و تشتعل معه المدينة ثم الولاية و كل مدن تونس فيما بعد، اشتعل جسد محمد البوعزيزي ليكون شرارة لانطلاق عاصفة هزت عرش حاكم تونس ، تونس بعد 17 ديسمبر ليست تونس التي تعرفونها قبل هذا التاريخ، الأمور تتغير بنسق سريع هنا، كأن أمرا غير عادي يحدث، و لم تدم الأحداث كثيرا و سقط رأس النظام لتنطلق الزغاريد و دموع الفرح في أحياء تونس احتفالا بنصر لم يكن متوقعا، رحل الرئيس و بدأ الشعب التونسي في كتابة أول كلمات حقبة تاريخية جديدة لوطن ديمقراطي.

في تلك الأثناء كان الأمر مشابها في ميادين مصر و ليبيا و اليمن و سوريا، لأول مرة تقريبا تخرج الشعوب العربية إلى الشوارع رافعة لافتات تنادي بإسقاط الأنظمة و المطالبة بالحقوق المدنية و الكرامة.
ها نحن الٱن بعد سنوات من هذه الأحداث ، الأمور تغيرت كثيرا هنا في العالم العربي، فربيع العرب تحول إلى شتاء قاس اختلطت فيه أصوات البنادق برائحة الدم في دول عدة.

ملايين اللاجئين بلا مأوى ملايين الجرحى بلا دواء و ملايين الجائعين بلا طعام، مدن بأكملها اختفت و ألاف القتلى، العرب يتقاتلون فيما بينهم في حروب أهلية بين أبناء نفس الوطن، رؤساء اختاروا ان تتهاوى أوطانهم و لا تتهاوى سلطتهم و آخرون يتشدقون بالإسلام و يستبيحون دم العرب و اينما حلوا حل معهم الموت و الدمار، هكذا حال بعض الدول العربية اليوم، ولكن هذه الخيبات جعلت من بعض القوى الدولية تنظر إلى دول العرب على أنها فرائس سهلة المراس لتغتصب ثرواتها و تنتهك أراضيها و تجعلها مسرحا لمعاركها و أهدافها الإقليمية ، هذه المطامع و النزاعات زادت الأمر تعقيدا فارتفعت وتيرة المعارك و عدد المقاتلين و الأطراف المتنازعة.

معارك غذتها الأطماع الخارجية و الصراعات العقائدية لتجعل من دول مثل سوريا و ليبيا و اليمن مناطق منكوبة تكاد تنعدم فيها الحياة.

هذه الشعوب اليوم تدفع ضريبة مطالبتها بالحرية، خرجت للشوارع متحدة تحت نفس الراية و حاملة لنفس القضية لكنها عادت خائبة منتكسة، فوجدت نفسها مشردة تنظر الى أوطانها تتهاوى أمام قوة السلاح و العدوان الخارجي و مطامع بعض المتمعشين من أزماتها.

الأمر كان مختلفا نوعا ما في دول أخرى كتونس التي تعاني أزمات سياسية متعاقبة عطلت مسار التنمية و ألقى جل سياسييها مطالب الشعب في سلة المهملات و انغمسوا في تصفية حساباتهم الشخصية متناسين برامجهم الانتخابية و وعودهم التي قدموها إلى الشعب.

الوضع في أصقاع العالم العربي معقد و لا يبشر بالخير، دول لازالت تعاني الديكتاتورية، دول أخرى انتشر فيها الخراب و الموت، و رقع جغرافية فيها السلطة بالتوريث و والولاء التام للسلاطين أهم أُسُسها، و بلدان لم تعرف تطورا بل تزداد الأوضاع فيها صعوبة، و وطن ٱخر اسمه فلسطين يباع و يُشترى داخل قصور حكام العرب.

أليس للعرب الحق في العيش بكرامة و سلام؟ أم انهم سيعيشون مخيرين بين العبودية أو الخراب ؟ هل تشرق شمس العرب يوما ما لنراها دولا عظمى ، ديمقراطية وٱمنة؟ .. و للحديث بقية

اقرأ أيضا: العنف والصراع السياسى وإقتصاديات الأديان

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

شاكر جهمي

شاكر جهمي ،صحفي و مدون تونسي و طالب بمعهد الصحافة و علوم الاخبار بتونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى