ثقافة وفنون

الشعر الجاهلي ومقصدية دراسته وتحليله

لم ينل الشعر الجاهلي وحتى اليوم من البحث والتحليل والتقييم ما يستحق من اهتمام، كونه الفن الذي تمكن بقدراته الفذة من الهيمنة على الزمن بالحضور، وعلى العصور بالتألق، فقد ضم في طياته موقف الإنسان من الحياة والموت والوجود، باثاً هواجس الإنسان ولواعجه ومكابدته الداخلية، وهو يبحث عن تفسير لما يطفئ لوعة الشعور بالفقد، موتاً ورحيلاً واغتراباً وانفصالاً عمن يحب، ذلك الشعور الذي ظل مؤرقاً له مُذ غادر الأبوان جنتهما حتى اليوم، فضلاً عن معاناة حياة زادتها الصحراء الذهبية صعوبة وهي تدفعه للبحث عن انفراجات محنته الروحية والنفسية والمعيشية معًا.

لا يمكننا أن نغفل جانبًا مهمًا من الحضارة العربية القديمة، فالحضارة مهما تقادمت ومر عليها الزمن تحتاج إلى من يجددها ويبعث فيها روحًا جديدة تتناسب والعصر، فالشعر الجاهلي أي ما قبل الإسلام وحتى في صدر الإسلام، وبعده بمختلف الاتجاهات والتوجهات يحتاج إلى دراسة وإلى اهتمام كبير كي يستمر، ويضمن لنفسه البقاء في زمن هيمنت عليه الرواية، حتى لا يضيع ونفقد جزءاً مهمًا من حياة حضارتنا العربية العريقة الضاربة في جذور التاريخ، فالحضارة العربية القديمة (الجاهلية) هي جزء منا، بل هي هويتنا، هي مكون من مكونات الحاضر الذي نعيشه اليوم.

وتهدف هذه الدراسة حول الشعر العربي القديم إلى إعادة النظر فيما ورثناه من آثار حضارتنا العربية القديمة، إذ أن الاهتمام بالشعر العربي يجعله في تجدد دائم، ويجعله أيضًا يلبس روحًا جديدة، وخاصة إن تمت دراسته بمناهج جديدة ومتطورة واكتشاف عوالمه، وما يزخر به من مكنونات.

إن التغيير في الشعر العربي وظهور أشكال جديدة، إنما هو تغيير في المفهوم لا في الشكل أو في طريقة التعبير، فالقصيدة الجاهلية كالحياة الجاهلية، لأن الشعر الجاهلي صورة حية عن الحياة القديمة، ووثيقة حية تؤرخ لمرحلة مهمة طبعت الحضارة العربية القديمة، فهو نتاج مخيلة ترتجل وتنقل من خاطرة إلى أخرى بطفرة ودون ترابط.

كما أن القصيدة الجاهلية لا تقدم لنا مفهومًا جديدًا للعالم، وإنما تقدم لنا على أبعد تقدير عالمًا جماليًا، فهي لا تشرح عقليًا، بل ترتكز وتشرح من خلال الانفعال والمشاعر الإنسانية البسيطة والمعقدة، الأمر الذي يميزها عن غيرها من الأجناس الأدبية والشعرية التي تسيطر على العالم اليوم.

بالرغم من الخروج أو التمرد الذي عرفته القصيدة الجاهلية من طرف الشعراء الذين جاءوا فيما بعد واختاروا توجهات عديدة، إلا أنها ظلت موجودة بيننا وفي كتبنا، هذا النزوح الذي فرضته الظروف والتحولات التي طرأت على المجتمع العربي، والذي تمثل فنيًا في الخروج عن عمود الشعر العربي، وتمثل أساسًا في القيم الاجتماعية والإنسانية التي طبعت كل مرحلة، ثم الظروف التي فرضت نفسها بشكل من الأشكال على المجتمع العربي، وما رافق ذلك من تحولات مهمة في الخريطة السياسية و الاقتصادية والثقافية، جعلت الشاعر العربي يرفض القيم المجتمعية السائدة في الوطن العربي، وإعادة النظر فيها.

إحساسه بالفردية والضياع في وطنه حدى به إلى الانتقال إلى تكسير البنية وتجديد الرؤيا، وذلك بالانتقال إلى الصنعة وإلى مواضيع جديدة، جعلت من الشعر على امتداد قرون عديدة يشكل مزيجًا حيًا من اللغة والحياة، كما أصبح جو القصيدة وشكلها هو الذي يهم بشكل كبير، لا معناها، وهذا التطور في الشكل الشعري جاء خدمة للصنعة، فسادت الأوزان المجزأة، واستخدمت اللغة العامية وإيقاعات مختلفة من أوزان مختلفة في قصيدة واحدة.

وهذا التغيير هو ضرورة يفرضها التطور، وهذا ما يجعلنا نقف بالأساس على الموروث العربي القديم ودراسته، لأن الدراسة تجعله حياً ومتجدداً بروح العصر، ومسلحاً بمناهج تكسبه مناعة تزيده قوة، وهو بذلك دعوة إلى إعادة النظر من جديد بكل ما هو قديم من حضارتنا؛ حتى لا تحدث قطيعة معه.

ونؤكد أن الشعر بتغيره شكلًا ومفهومًا ورؤيًا لن تكون جدته في مجرد شكله فحسب، أو في مجرد مضمونه، وإنما ستكون في قدرته على حمل الإنسان إلى أحضان المجهول، لأن الشعر العربي الجديد في سيرورة دائمة، وهو ما يتيح لنا أن نحيا بهاء المصير على هذه الأرض.

ودراستنا للشعر العربي القديم أو الشعر الجاهلي بمختلف أنواعه تأتي في ظل رغبة الجيل الحالي العودة إلى الموروث العربي القديم، والنبش في طياته وتقليب ترتيبه وتربته الخصبة التي ولد وتربى فيها، لأنه جزء مهم من هويتنا العربية، ووثيقة حية تؤرخ لقدرة مهمة من تاريخ هذه الحضارة الممتدة من شرق القارة الأسيوية إلى غرب القارة الأفريقية، فتطور الحياة وبروز أساليب جديدة لدراسة الظواهر الأدبية يفرض علينا أن ننحى وراء هذا المنحى، وأن نسير في نفس الاتجاه من أجل استنطاق قصائدنا القديمة، ومحاولة دراستها دراسة حديثة، حتى يكون مرجعًا مهما للأجيال التي ستأتي من بعدنا.

الهوامش:
  • مقدمة بحث الأستاذ ضمير عبد اللطيف، دراسة المفضليات، مفضلية المثقب العبدي.

اقرأ أيضًا : شعر “المفضليات”.. قيمته وتاريخه الغابر

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق