مدونات

«الشر لا يفنى وإن قبروا».. في الصراع الأزلي مَن الغالب والمغلوب؟

تعتبر مسألة صراع الخير والشر مادة دسمة في المناقشات الفكرية والبحوث النفسية وحتى السياسية، وتباينت الآراء والتفسيرات بشأن ما يحمله الإنسان من أفكار خيّرة أو شريرة، ولايزال السؤال قائماً حول أصل هذين النقيضين. ويقول الشاعر جبران خليل جبران في هذا الصدد: “الخير في الناس مصنوع إذا جبروا.. والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا”.

وتختلف التحليلات والتفسيرات حول صراع الخير والشر حسب كل مجال؛ فنجد في الفلسفة إشكالية بارزة ألا وهي: هل الإنسان خَيِر بطبعه أم شرير؟ وهذه من أبرز علامات الاستفهام التي تحوم حول طبيعة الإنسان وفطرته وما هي الدوافع التي تحركه، هل هي دوافع الشر والظلام، أم الخير والنور؟

صراع الخير والشر من منظور العلوم الإنسانية

نجد في علم النفس والاجتماع تفسيرات ورؤى مختلفة حول حوادث كثيرة يخترق فيها الإنسان القوانين، و الأعراف، ويمس بالإنسانية مما يجعلنا نتسائل على من نلقي اللوم، وهل المشكلة في الإنسان كفرد أو في المجتمع ككل.

أما في السياسة فإن التاريخ سجل وشهد على الكثير من المفكرين والمنظرين الذين كانت لهم محاولات فكرية وسياسية بارزة وهم أنصار الاتجاه التشاؤمي، مثل ميكيافيلي الذي يعتبر من أبرز السياسيين الإيطاليين والذي ظهر في عصر النهضة. ولقد كان ميكيافيلي من الداعمين لفكرة الطبيعة الشريرة للإنسان، وكان يبرر كل الأفعال الشريرة التي تصدر عن صناع القرار أنها أفعال ضرورية وطبيعية ووسيلة لابد منها للحكم والسيطرة بالقوة، من أبرز أفكاره هي العبارة التي نستخدمها بشكل دائم وربما لا نعرف معناها أو مصدرها “الغاية تبرر الوسيلة”، حيث جاء بهذه الفكرة داعمًا لكل التصرفات الصادرة عن الملوك ومؤكدًا أنه لا وجود لقيود أو أخلاقيات تكبح سلطة الملك أو القائد.

وثاني مفكر يجب التحدث عنه هو توماس هوبز، الفيلسوف الإنجليزي والذي اشتهر بتطويره ما يعرف بـ”نظرية العقد الاجتماعي”، ومن أبرز أفكاره ومعتقداته ضرورة سيطرة الحاكم بشكل كامل عن طريق تنازل تام من طرف المواطنين وسيطرة كاملة من طرف الملك، ذلك لاعتقاده أن الإنسان شرير بطبعه ولا يمكن أن تسيطر عليه إلا هيئة أكثر قوة وسلطة منه.

ويعتبر هوبر رائدًا في التيار التشاؤمي الواقعي، حيث يرى أن الإنسان هو سبب الفوضى في النظام الدولي وأن الشر فطرة لا تفارقه.

«الغلبة للأقوى» شعار يرفعه المجتمع الدولي

بالانتقال إلى مجال العلاقات الدولية، سنجد هذه الثنائية من صراع الخير والشر بارزة بشكل واضح، حيث تتجسد في الفوضى وفي التسلح وكل مظاهر العنف.

ويتمثل الشر في كل ما نراه من تصرفات وقرارات للدول الكبرى، ومن عمليات استعمارية في السابق، وصولًا إلى الاستغلال وفرض عقوبات كما هو الحال الآن تحت ستار الإنسانية.

ويعد الشر هو الكفة والجانب الذي لا تستطيع الدولة أن تستغني عنه، في قانون العلاقات الدولية، حيث لا يمكنك أن تثق في أي شخص في المجتمع الدولي بل يجب الاعتماد على الذات وتحقيق المصلحة الوطنية، حيث في ظل هذه الفوضى التي يشهدها العالم بسبب غياب سلطة مركزية لها القوة على تنظيم الدول، وأيضًا في الوقت الذي أصبحت فيه القوانين الدولية حبر على ورق، أصبح ومن دون منازع قانون القوة هو السائد.

توفر القوة بكل أنواعها وحتى زيادتها، هي من الضروريات التي تحتاجها الدول، لحماية رقعتها وصون حدودها أكثر من أي ضرورة أخرى. دون أن ننسى ذكر قانون الكيل بمكيالين، بحيث إن السلطات والقوة التي تتمتع بها الأنظمة الكبرى يمنحها دور وثقل في تقرير السياسات الدولية ليس مثل دور ووزن الدول الضعيفة التابعة.

منذ الأزل كانت القوة هي السبيل للمحافظة على البقاء، و هذا ما وضع البشرية في أزمة أخرى وهي إشكالية التسلح التي تعتبر من أقدم الأساليب للسيطرة والهيمنة، والتي كان الهدف منها في البداية الحفاظ على البقاء، والآن أصبحت الهيمنة وسيلة للتفاخر والتباهي. فسباق التسلح من المفاهيم التي ظهرت في فترة الحرب الباردة ومازال مستمرًا للآن.

وعلى سبيل المثال، تنهمك روسيا وأميركا في تطوير مختلف أنواع أسلحتهما وعلى رأسها الأسلحة النووية، وكل واحدة منهما تريد أن تصل إلى درجة تسليح عالية لا تفوقها درجة ولا تسمح لغيرها بالمنافسة. وبالتأكيد لن تكون الصين غافلةً عما يجري من تطوير حربي، والأكيد أن هذا السباق لا توجد خلفه نوايا طيبة ولا بريئة.

لماذا يتم ربط القوة بالشر؟

بدايةً قبل الحديث عن صراع الخير والشر يجب أن نُعرّف القوة كمصطلح رغم الصعوبة في ذلك، حيث أن صعوبة المصطلح وقساوته تكمن في أن القوة من المصطلحات والمعاني الجامعة، مما يجعل حصرها في أسطر قليلة أمرًا شاقًا، فقد ذكر كاتب الاجتماع والسياسة كارل دويتش أن “تعريف القوة في أبسط معانيها، هي القدرة على السيطرة في صراع ما والتغلب على العوائق”.

ويعتبر أستاذ العلوم السياسية الأمريكي جوزيف ناي، أن “القوة هي المقدرة على التأثير في الآخرين، وأن تحصل على النتائج التي تريدها، وثمة طرق ثلاثة لتنجز هذا: بالإكراه (العصا)، بالمال(الجزرة)، وبالجذب والإقناع”.

تعد العصا والجزرة، في تعريف “ناي” صورة من صور القوة الصلبة، أما الجذب والإقناع فتسمي “القوة الناعمة”، وتعد كل أبعاد القوة مهمة. وبالتالي مفهوم القوة واسع ولكن هو مرتبط بالسيطرة والتأثير والتحكم وفرض الهيمنة.

اتجاهان لتفسير صراع الخير والشر الأزلي

يدافع الاتجاه الأول المفسر لحقيقة صراع الخير والشر عن حق الدولة في امتلاك القوة وبالتالي لا يعتبر القوة شر، ويؤكد أن الدولة اذا كانت تسعي بشكل حثيث إلي زيادة قوتها وسيطرتها، فإن هذا ليس معيارًا ومقياسًا البتة للعدوانية أو سوء النوايا، لأن زيادة واكتساب القوة حق طبيعي وبديهي. وعلى الرغم من أن القوة هدفها الأساسي هو الحفاظ على البقاء وحماية المواطنين وحماية الدولة، وبالتالي فإن رغبتها في حماية حدودها وبقاءها هو هدف سامي ينزع عنها صفة الشر.

وفي المقابل، يؤكد الاتجاه الثاني على أن القوة هي مرادف للشر، فإن الواقع الذي نشهده، بعيدًا عن مثاليات الاتجاه الأول، يؤكد أن حماية الحدود والإنسانية ما هي إلا ذريعة لاستخدام القوة بطريقة مشروعة.

وعانى العالم ومازال من الحروب والأزمات والمجازر بسبب الأسلحة المتنوعة وأسلحة الدمار الشامل والتي تعتبر الوجه الثاني للقوة، فلم تكن استخدامات القوة لأغراض شريفة أبدًا بل كانت من أجل انتهاك سيادة الدول وانتهاك حقوق الإنسان.

أصحاب الاتجاه الأول يدعون أن طبيعة الصراع والنزاعات بين الدول يعتبر من الأسباب الموضوعية والعامل الرئيس لزيادة القوة، وتسخير المؤسسات العلمية والبحثية والعسكرية والمعلوماتية لهذا الغرض، ولكن في الحقيقة أن الأزمات والصراعات ما كانت للتفاقم لولا وجود دعم خفي بالأسلحة ولولا وجود استخدام غير عقلاني للقوة.

ولولا تدخل القوة الصلبة لما تطورت الأزمات إلى مراحل متقدمة، وبالتالي لا يمكنك أن تلغي جانب الشر من القوة، فاستعمالات القوة على أرض الواقع تختلف تمامًا عما يتم التصريح به.

وبالعودة إلى الصدام الأزلي، يجب أن نتذكر أن صراع الخير والشر في كل أجزاء الحياة شيء حتمي لا يتغير بما فيها داخل الفرد نفسه الذي يعيش صراعات لا تحصى، نتيجة هذا التضاد المتأجج الذي يعتبر طبيعياً لإحداث مثل هذا التباين أو لنقل الميزان بين الرغبة والامتناع وبين النور والظلمة وبين الكذب والصدق والحقيقة والضلال. وأيضًا بين الدول ككيانات تعيش دائمًا في حالة صراع وصدام على القوة، وبين الهيمنة بسياسة مثالية طوباية أو بسياسية واقعية عنيفة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق