سياسة وتاريخ

الشدة المستنصرية: مات بسببها ثلث سكان مصر وأكلوا بعضهم البعض

كان لخراب مدينة الفسطاط سببان؛ أحدهما الشدة المستنصرية وهي الشدة العظمى التي كانت في فترة خلافة المستنصر بالله الفاطمي، والثاني حريق مصر في وزارة شاور بن مجبر السعدي، وسوف نتناول في حديثنا أحداث الشدة المستنصرية فاسمحوا لي أن أنتقل بكم وأخترق حدود الطبيعة الزمنية والمكانية وبالتحديد عام 459ه‍، في عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي، حيث وقعت هذه الأحداث في مصر.

ازدهرت مصر في بداية حكم الدولة الفاطميّة، وكانت لها مكانة مرموقة ومهابة من جميع الدول، ولكن لم تنعم بذلك الرخاء والازدهار طويلاً، فقد استقلت بلاد المغرب عن الدولة الفاطميّة وتلتها بلاد اليمن، وحلت بالقاهرة تلك الأيام السود التي تعرف في التاريخ باسم “الشدة العظمي”.

وشهدت الشدة المستنصرية عدة وقائع؛ منها انقطاع ماء النيل وأُهملت الزراعة تبعًا لذلك، فقلت المحاصيل وقلت الأيدي العاملة بانتشار المجاعات والأوبئة، وتلا ذلك حروب أهلية في الديار المصرية، نتيجة لحدوث الغلاء وقلة الأقوات.

وتصادف مع حدوث تلك الشدة التي استمرت سبع سنوات، وقوع النزاع بين الجند السودانيين، الذين كانت تعمد إليهم أم الخليفة وكانت سودانية، وعددهم 10 آلاف، وبين جند الأتراك الذين كان يرأسهم ناصر الدولة بن حمدان، على إثر محاولة أحد الأتراك قتل أحد السودانيين الذين كانوا في حاشية المستنصر خارج القاهرة، فهجم عليه بعض العبيد وقتلوه.

واستاء الأتراك مما حدث، وأظهر لهم المستنصر براءته من الحادث، إلا أن الأتراك صمموا على محاربة الجند السودانيين، وانتهى الأمر بإبعاد معظمهم إلى جهة الصعيد، فأوقعوا الرعب في نفوس الأهالي، وحالوا زراعة الأرض، واكتسح البعض منهم الدلتا حتى وصلوا إلى الإسكندرية واستقروا فيها.

ويهمنا من حوادث النزاع بين الأتراك والسودانيين، أن الأتراك انتهزوا تلك الفرصة ونهبوا المدن، وخلا بيت المال من الأموال المطلوبة لإرضاء الجند الأتراك، فلجأ الجنود إلى القوة للحصول على أرزاقهم المتأخرة، وأتلفوا قصور الخلفاء وبددوا المجموعات الفنية التي لا تقدر بثمن. كما شهدت الشدة المستنصرية الإغارة على المكاتب بشكل منقطع النظير.

ويقول المقريزي، عندما حل بمكتبة القصر من تخريب ونهب، إن الكتب الجليلة المقدار المعدومة النظير في سائر الأمصار، صحة وحسن خط وتجليد وغرابة، قد اتخذ عبيدهم وإمائهم من جلودها نعالًا وأحذية ثم أحرقوا أوراقها، زعم منهم بأنه كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم.

وازداد نفوذ ناصر الدولة بن حمدان زعيم جند الأتراك حيث تولى إدارة شؤون مصر فأخذ يعمل على إضعاف شأن المستنصر والاستئثار بحكم مصر وقطع طرق التجارة.

ومن ثم بدأت أحداث الشدة المستنصرية العظمى، فعندما قل منسوب النيل وتوقفت الزراعة، ولقد دونت عن مصائب هذا القحط والغلاء القصص المروعة، حتى قيل إنه كان يموت بمصر كل يوم 10،000 نفس، وعدمت الأقوات حتى أكل الناس القطط والكلاب وكان يباع القطة بـ30 دينار والكلب بـ50 دينار ورغيف الخبز بـ10 دنانير.

وخطف الناس بعضهم بعضًا حتى إن الرجل كان يخطف ابن جاره ويذبحه ويأكله، ورُوي أنه كان يدخل الكلب المنزل يأكل الأطفال والأبوين ينظرا لا يستطيعا منع الضرر عن ابنهم من شدة الجوع والوهن.

ولقد بيع لحم الإنسان عند الجزارين، وأكل الناس الجيف، ووقفوا بالطرقات يأكلون من ظفروا به، وظهر أناس كان فوق الأسطح يرمون الناس بالكلاليب والخطاطيف وحصد الطاعون بمنجله حصدًا ذريعًا واكتسح الدور بعد الدور لا فرق بين عظيم ولا حقير.

وروى أنه كان يموت أهل البيت بأكمله في يوم واحد، ولقد ذكر المقريزي في الخطط القريزية، ج1، ص 335-337 أنه ذهب قاضي ليحكم في قضية فجعل غلامه يعتني بالبغل الذي يركبه فكثر اللصوص على الغلام وكان ضعيفًا من قلة الطعام وسرقوا منه البغل فأمسك بهم القاضي وشنقهم على شجرة.

فلما جاء الصباح لم يجدوا منهم إلا العظام فقد أكلهم الناس من شدة الجوع، ونالت المصائب من الجميع على السواء، حتى إن الخليفة نفسه باع أثناء تلك الشدة المستنصرية جميع ممتلاكاته وما في قصره من ذخائر ونفائس، ولما اشتد به الأمر باع مقادر لا يحصى من البلور والجواهر. حتى تصدق عليه أمراؤه وكانت يعطوه كل يوم رغيف خبز.

وذكر بن عبدالحكم أن منطقة كاملة بيعت بطبق خبز لكل دار رغيف خبز، وباع المستنصر كل ما يملك فلم يبقى له إلا حصير بالي تحته ونعال في قدمه.

لكن بعد العسر يسرًا، حيث جاء المنقذ. فلقد بعث الخليفة المستنصر سنة 466ه‍ إلى بدر الجمالي والي عكا، يطلب منه القدوم إلى مصر ليتولى تدبير شؤون الدولة في مصر، ويصلح ما فسد منها، فاشترط أن يحضر معه من يختار من جنوده وعساكره بالشام حتى يستغني تمامًا عن طوائف الجند المنافسة في مصر.

وقبل الخليفة شرطه، فأبحر بدر الجمالي الملقب بـ”أمير الجيوش”، من عكا ومعه جند كثير من بني جلدته، وقبض على كل العناصر بيدٍ من حديد، ووضع حداً للفوضي، فعادت البلاد إلى الأمن والنظام، وعمّر الريف فزادت المحاصيل ورخصت الأسعار وعادت إلى ما كانت عليه في أوائل عهد المستنصر.

ونهضت الأوضاع في مصر وتحسنت أحوال الفلاحين وانتهت أيام الشدة المستنصرية العظمى بموت ناصر الدولة بن حمدان زعيم الجند التركية، سنة 465ه‍، بعدما راح ضحية هذه الشدة أكثر من ثلثي الشعب.

اقرأ أيضًا: الحياة الاجتماعية للمرابطين وسيطرة الظلم والقهر

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبدالله احمد علي الدالي

متخصص في التاريخ والاثار المصرية والاسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق